من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧ - قتل الإنسان ما أكفره
إن نعم الله تحيط بالإنسان منذ أن كان نطفة- لا يكاد يبين- إلى أن أصبح بشراً سوياً، وتيسر لسبل الخير والسلام- وهذا من غايات النعم- وحتى يموت فيدفن.
ويذكرنا القرآن بواحدة من أعظم نعم الله علينا، وهي نعمة الطعام، ويدعونا إلى النظر فيها، كيف يوفرها الله لنا بالغيث. كذلك الهداية نعمة وفرها الرب، فالإيمان هو السبيل لبناء مجتمع القيم الذي يسمو عن الخضوع لأصحاب المال والجاه.
هذه النعم المتواترة التي أسبغها الرب على الإنسان تجعله الكائن المسؤول- وحجب الشيئية تُصَيِّرها مدعاة للبطر-. وهكذا يبعث بعد موته للحساب والجزاء في يوم الصيحة الكبرى.
ويوم الصاخة تتهاوى النعم المادية إلا ما استثمره الإنسان في الصالحات، ولا تنفع العلاقات المادية؛ فحتى الأرحام تنقطع، إنما القيمة الحق يومئذٍ هي العمل الصالح.
بينات من الآيات
[١٧] نعم الله تترى على الإنسان، ولكنه لا يزال يطمع لما في أيدي الآخرين، بدل أن يسلم وجهه لله الذي أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، تراه يروح يعبد الطغاة، أو يخضع للمترفين لما يعطونه من فتات الرزق. لماذا لا يطرق باب رحمة الله التي وسعت كل شيء؟!. أَوغيَّرَ عليه الرب عادات امتنانه وتفضله؟! أوليس الله بقادر على أن يغنيه عما في أيدي العباد؟!.
إنه أعظم نعم الله الكتاب الذي يُذكره سبيل سعادته، ويغنيه ليس في أموال الدنيا فحسب، بل في كل شيء من الدنيا إلى الآخرة، ولكنه لا يزال يكفر، قتله الله بكفره!.
قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ وكلمة قُتِلَ لعنة عليه، وتعبير عن منتهى الغضب، وفي الوقت نفسه فيها إيحاء بأن الكفر يقتل الإنسان، يقتل مواهبه وفضائله وفرص سعادته، وحتى ينتهي بقتله تماما! أليس القتل درجات، والكفر بأية نعمة إلهية يؤدي إلى قتل فرصة من فرص الحياة عند الإنسان، وبالتالي فهو يعتبر درجة من القتل ومستوى منه؟! أرأيت الذي يملك رصيدا عظيما في البنك ولكنه لا يؤمن بذلك، وكلما قيل له عنه كّذَّب وأبى! أليس يعدم موهبة إلهية؟! كذلك الذي يملك رصيدا عظيما في القرآن يستطيع أن يتخذه لنفسه سعادة وفلاحا ثم يكفر به. والتعبير ب- مَا أَكْفَرَهُ يوحي بمدى كفره؛ إنه كفر واسع المدى، متعدد الأبعاد، ومن هنا قال بعضهم: الكفر هنا جاء بمعناه اللغوي الذي يعني الستر، ويشمل الكفر بالله أو بنعمه أو حتى الكفر بنعمة واحدة، ولذلك فإن كلمة الإِنْسَانُ هنا تسع كل الناس لأنه ما من إنسان