من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩ - قتل الإنسان ما أكفره
وكلاهما صحيح في هذا السياق، إذ يرجى تطبيق الإنسان لأوامر الرب، كما أن عدم التطبيق خلاف ما كان منتظرا.
[٢٤] ويعود السياق إلى جملة نعم الله على الإنسان التي تهديه إلى قدرته وحكمته ورحمته، فهذا الماء تحمله سحب الخير إلى عنان السماء ثم تصبه على الأرض بسهلها وحزنها ليسقيها، ثم تنشق الأرض عما يطعم الإنسان من ألوان الحبوب والثمار. فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ليس فقط يعرف كيف وفره الله له، وإنما أيضا ليتعلم من مدرسة الخليقة كيف يستفيد منه. أليس هذه الطبيعة كلها مسخرة لإطعامك، إلا ترى في ذلك حكمة بالغة، وقدرة قاهرة، أوَلا يعني أن وراء هذه الطبيعة تقديرا وتدبيرا وحكمة، وأن مراد ربك أن يسعدك ثم يهديك ثم يُعِدُّك لجنته؟! بلى، فإذا نظرت إلى الطعام بهذه الرؤية فإنك تسمو من درجة التهام الطعام بشهية حيوانية إلى مستوى التمتع به براحة نفسية، وبشكر وامتنان، وآنئذ لا يتغذى به جسدك فقط، وإنما روحك ونفسك أيضا. أليس الشكر والرضا غذاء النفس؟ وقد سن الإسلام آداب الطعام لهذا السبب، فإنك من قبل الطعام تقول
[الْحَمْدُ لله الَّذِي يُطْعِمُ ولَا يُطْعَمُ، ويُجِيرُ ولَا يُجَارُ عَلَيْهِ، ويَسْتَغْنِي ويُفْتَقَرُ إِلَيْهِ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا رَزَقْتَنَا مِنْ طَعَامٍ وإِدَامٍ فِي يُسْرٍ وعَافِيَةٍ مِنْ غَيْرِ كَدٍّ مِنِّي ولَا مَشَقَّةٍ]
. وبعد الانتهاء من الطعام تقول
[الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي فَأَشْبَعَنِي، وسَقَانِي فَأَرْوَانِي، وصَانَنِي وحَمَانِي. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَرَّفَنِي الْبَرَكَةَ والْيُمْنَ بِمَا أَصَبْتُهُ وتَرَكْتُهُ مِنْهُ. اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَنِيئاً مَرِيئاً لَا وَبِيّاً ولَا دَوِيّاً، وأَبْقِنِي بَعْدَهُ سَوِيّاً قَائِماً بِشُكْرِكَ مُحَافِظاً عَلَى طَاعَتِكَ، وارْزُقْنِي رِزْقاً دَارّاً، وأَعِشْنِي عَيْشاً قَارّاً واجْعَلْنِي نَاسِكاً بَارّاً، واجْعَلْ مَا يَتَلَقَّانِي فِي الْمَعَادِ مُبْهِجاً سَارّاً بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ] [١].
وحين ينظر الإنسان إلى الطعام نظراً عميقاً يعرف أن ليس كل الطعام صالحا لكل وقت، فلا بد أن يميز بين الضار منه والنافع، الجيد والرديء، والحلال والحرام، فلا يأكل إلا ما ينفعه وما يحل له، وبقدر انتفاع جسده منه، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه واله
[لَا تُمِيتُوا الْقُلُوبَ بِكَثْرَةِ الطَّعَامِ والشَّرَابِ فَإِنَّ الْقُلُوبَ تَمُوتُ كَالزَّرْعِ إِذَا أَكْثَرَ عَلَيْهِ الْمَاءُ]
[٢]. وفي الحديث عن الإمام علي عليه السلام
[مَنْ أَكَلَ الطَّعَامَ عَلَى النَّقَاءِ وَأَجَادَ الطَّعَامَ تَمَضُّغاً وَتَرَكَ الطَّعَامَ وَهْوُ يَشْتَهِيْهِ وَلَم يَحبِسْ الغَائِطَ إِذَا أَتَاهُ لَمْ يَمْرَضْ إِلَّا مَرَضَ الَموْتِ]
[٣]. وروي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال
[كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه واله إِذَا رَأَى الْفَاكِهَةَ الْجَدِيدَةَ قَبَّلَهَا ووَضَعَهَا عَلَى عَيْنَيْهِ وفَمِهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ كَمَا أَرَيْتَنَا أَوَّلَهَا فِي عَافِيَةٍ فَأَرِنَا آخِرَهَا فِي عَافِيَةٍ]
[٤]. وروي عن رسول الله صلى الله عليه واله أنه قال
[النَّفْخِ فِي الطَّعَامِ
[١] مستدرك الوسائل: ج ٣، ص ٩٣.
[٢] مستدرك الوسائل: ج ١٦، ص ٢٠٩.
[٣] بحار الأنوار: ج ٦٣، ص ٤٢٢.
[٤] وسائل الشيعة: ج ٢، ص ١٧٠.