من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٦٦ - إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى
وفي أدب العرب لا يرجع ضميران متصلان إلى مصدر واحد، فلا يقال: ضربه، نظرتني، بل يقولون: ضرب نفسه ونظرت نفسي، إلا أفعال القلوب التي تتعدى إلى مفعولين مثل حسب، فيقولون: (حسبتني) وقال الله تعالى أَرَأَيْتَ ورأى هنا ليس بمعنى النظر بالعين إذ إن ذلك من أفعال الجوارح، بل بمعنى النظر بالقلب. وسياق الآية يهدينا إلى أن خطأ علميا ينشأ عن الإنسان فيزعم أنه قد استغنى، ويتسع ذلك لاحتمالين
الأول: أن يرى نفسه مستغنيا بما أوتي من علم فينطبق على علماء السوء كما قال سبحانه لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا [آل عمران: ١٨٨] وينسجم ذلك أيضا مع قوله سبحانه أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْداً إِذَا صَلَّى إذ أن هذا من شأن علماء السوء وأنصاف المثقفين، الذين يتصدون لأمور الدين، ويأمرون وينهون بما تشاء أهواؤهم، ويشير إلى هذا التأويل الحديث المأثور عن الإمام علي عليه السلام أنه خرج في يوم عيد، فرأى أناسا يصلون فقال
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ شَهِدْنَا نَبِيَّ الله فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُصَلِّي قَبْلَ الْعِيدِ، أَوْ قَالَ النَّبِيُّ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَلَا تَنْهَى أَنْ يُصَلُّوا قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ؟ فَقَالَ: لَا أُرِيدُ أَنْ أَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى وَ لَكِنَّا نُحَدِّثُهُمْ بِمَا شَهِدْنَا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه واله أَوْ كَمَا قَالَ]
[١]. وهكذا لا ينبغي لعلماء الدين أن يفرطوا في الأمر، والتي فيما لا يتصل بالبدع الظاهرة في الأمة، فقد ينهون أحدا عن عمل صالح وهم لا يشعرون، كما يفعل بعض المتصدين للشؤون الدينية اليوم، يستغلون ثقة الناس فيهم، وفي نهيهم عن التعاون مع المؤمنين أو عن دعم المؤسسات الخيرية لأنها ليست في نطاقهم، أو لأنهم يخالفون الخط الذي ينتهجه أصحاب تلك المؤسسات.
الثاني: أن يظن أنه مستغن بما أوتي من فضل الله، فيزعم أن المال هو كل شيء في حياته، فلا يأبه بنواقصه ونقاط ضعفه من الناحية الدينية أو العلمية أو الخلقية أو الاجتماعية، إنما يختصر نفسه في زاوية المال حتى تفسد علاقاته مع أهله وذوي قرباه، ويتعامل معهم بروح استبكارية. لماذا؟ لأنه يملك بعض المال. كلا .. إن الثروة واحدة من فرص الحياة، فلماذا تضيع سائر أبعاد حياتك لها، أرأيت لو كنت غنيا لا تأكل أو لا تنام أو سائر أفعال البشر. بلى، بلى تفعل كل ذلك لأنها فرص حياتك أليس كذلك؟ فلماذا تسجن نفسك في زنزانة الطغيان، وتفصلها عن إخوانك وأسرتك وسائر البشر، وتضيع عن نفسك التمتع بلذة العلم، وجمال الأدب، وجلال الأخلاق، وحتى تحرمها من كمالات الدين. وقد أولت الآية في أبي جهل الذي طغى بماله، وحاول أن ينهى رسول الله عن صلاته، ومعروف أن أبا جهل واحد من أولئك المترفين، وأن في كل عصر طاغية يسير على خطاه، فكم هجمت شرطة الأنظمة الفاسدة على مواقع الصلاة،
[١] بحار الأنوار: ج ٨٨، ص ١٢٤.