من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٩ - إن ربك لبالمرصاد
الضعيف، وبالذات الطفل الذي يفيض براءة وطيبا، وإذا كان الطفل يتيما لا يملك قوة ذاتية يدفع عن نفسه الأخطار والأطماع، ولا حامياً يقيه الشرور، ولم يحظ بالقدر الكافي من العطف الأبوي- إنه يذيب القلب حناناً- فما أقسى قلب من يهينه ويجافيه؟.
كل ذي وجدان يحكم بأن المجتمع الذي يقسوا على اليتيم مجتمع ممسوخ منكوس، وأن قيمه باطلة ونظامه فاسد. وذلك مقياس سليم وفطري يبينه القرآن في المعرفة، حيث أنه يدلنا على عاقبة النظام لمعرفة صلاحه أو فساده، فإننا لا نستطيع أن نحكم على نظام اجتماعي بادعاءاته أو شعاراته، ولكن نحكم عليه بعاقبته، فإن وافقت وجداننا الإنساني وانتهى إلى حماية الضعيف وإكرام اليتيم والإنفاق على المحتاج وما أشبه نعرف صلاحه. وهكذا بالنسبة إلى كل شيء لا تدرس بدايته بل راقب نهايته وعاقبته، حتى تعرف طبيعته.
[١٨] في المجتمع الجاهلي حيث يصبح المال قيمة يعيش المعدمون الذين أسكنتهم الفاقة في عناء كبير، إذ لا يشجع الناس بعضهم للاعتناء بهم. وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ من هو المسكين؟ إنه بشر مثلي ومثلك أقعدته عوامل قاهرة عن اكتساب رزقه، ألا ترحمه؟ تصور لو كنت- لا سمح الله- مثله كيف كنت تتوقع من الناس؟ أليس من الممكن أن تصبح أنت أو واحدا ممن تحبهم مسكينا، فهل ترضى أن يطوي ليله جائعاً، ويعيش الناس من حوله التخمة؟ وهل يرضى بذلك إنسان ذو ضمير؟! إن أقل ما نقدمه للمسكين الطعام .. إنه حق البهائم والنباتات فكيف بمن هو نظير لنا في الخلق؟! وقد ذكر الرب أنهم لا يأمرون بعضهم بإطعام المسكين لبيان انتكاس المجتمع عن قيم الإنسانية، فربما منع الواحد بخله عن إطعام المسكين ولكنه مستعد لأمر غيره بذلك، بل نرى البخيل عادة يتمنى لو أن غيره تكفل عنه بإطعام المحتاج، أما إذا تردى المجتمع إلى عدم حض بعضهم على إطعام المسكين فقد هبط إلى أسفل السافلين. وهذه هي نهاية اعتبار الغنى كرامة إلهية والفقر ذلا وهوانا.
[١٩] والأسوأ من ذلك أكلهم التراث، والتهام أموال اليتامى جميعا، حتى إذا كبروا لم يجدوا أمامهم إلا الحرمان والحسرة. وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمّاً قالوا لَمّاً يعني جمعا، ومنه قولهم: لم الله شعثه أي جمع ما تفرق من أموره، ولعل هذه الكلمة تشير إلى الإسراع في أكل التراث لئلا يكبر أهله فيطالبون به، كما قال سبحانه وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا [النساء: ٦].
[٢٠] وهكذا ينحدر الذي يزعم أن الثروة هي أقصى كرامة عند الله إلى درك عبادة المال، والانسياق مع مصادره ومن يملكه من المترفين. وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً أي حباً كثيرا، ومنه: جم الماء في الحوض إذا اجتمع وكثر. هذه هي ملامح المجتمع الذي يقدس المال. إنه لا