من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٧ - إن ربك لبالمرصاد
منافق متملق، قوال كذاب، محب لنفسه، معقد من الناس، و بدؤوا رحلة النهاية إذ أخذت السلطة تنشر الفساد في الأرض بدل الصلاح، والظلم بدل العدالة. فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ.
[١٣] حتى إذا طفح بهم كيل الفساد، وجاءهم النذير فهموا به ليقتلوه هنالك نزل عليهم العذاب الشديد. فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ جاء العذاب كما السيل المنهمر يصب عليهم من عل انصبابا فأين المفر؟ وكان كلذع السوط وسرعته، يسوطهم فيخالط لحمهم ودمهم. قالوا: العرب كانت تسمي العذاب الشديد سوطا، وقيل: بل أصل معنى السوط خلط الشيء بالشيء، ولأن العذاب الشديد يخالط اللحم والدم يسمى بالسوط. وقال السيد قطب في هذه الآية: [هو تعبير يوحي بلذع العذاب حين يذكر السوط، وبفيضه وغمره حين يذكر الصب، حيث يجتمع الألم اللاذع والغمرة الطاغية على الطغاة الذين طغوا في البلاد] [١].
وهكذا جاءت نهاية عاد وثمود وآل فرعون واحدة لأن أعمالهم كانت متشابهة بالرغم من اختلاف بلادهم وعصورهم وسائر تفاصيل حياتهم والجرائم التي ارتكبوها.
[١٤] قسما بأيام المسيرة الكبرى، بفجر العيد وليالي الإحرام ويوم العيد ويوم عرفة وبليلة الإفاضة، وعلى هدى تلك العبر التاريخية: إن الله يقف للطغاة والمجرمين بالمرصاد. إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ الجيش المعادي يسير بين شعاب الوادي بكل غرور، وقوات الدفاع قد اتخذت مواقعها خلف صخور السفوح وفوق مرتفعات الجبل، وفي مثل لمح البصر تقع الواقعة، ويتبخر غرور الجيش ويتلاشى. كذلك أعداء الله يأخذهم في ساعة غرورهم وغفلتهم لأن رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ .. وهم عنه غافلون، ومن سطواته آمنون. تلك هي ذروة السورة فيما يبدو، ومحور آياتها، وخلاصة دروسها، فمن وعى هذه الحقيقة، وخشي سطوات الله، ولم يأمن مكره؟ ومن اتقى أخذه الشديد في ساعات الغفلة، وكلما هم بمعصية أو فكر في ظلم أحد فكر في نفسه: أوليس الله يراقبني وهو بالمرصاد؟ من إذاً هم بظلم أحد تذكر القهار العظيم الذي يأخذ الظالمين بشدة، وإذا تمادى في الظلم ولم ينزل به العذاب تذكر أن ذلك قد يكون كيدا متينا له حتى يؤخذ بشدة. جاء في الدعاء المأثور عن الإمام السجاد عليه السلام
[اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، ولَا أُظْلَمَنَّ وأَنْتَ مُطِيقٌ لِلدَّفْعِ عَنِّي، ولَا أَظْلِمَنَّ وأَنْتَ الْقَادِرُ عَلَى الْقَبْضِ مِنِّي] [٢].
وقال الشاعر
تنام عينُك والمظلوم منتبه
يدعو عليك وعين الله لم تنم