من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٦ - إن ربك لبالمرصاد
إن المدينة وبالذات إذا كانت بمستوى مدن عاد العظيمة علامة بارزة لحضارة الإنسان حتى سميت الحضارة بالمدينة، لأنها رمز تعاون بناء بين مجاميع كبيرة من الناس، وسيادة نوع متقدم من القوانين عليهم، كما إنها تأتي نتيجة تراكم تجارب وجهود عظيمة يتوارثها أهلها جيلا بعد جيل ... ولكنها عرضة للدمار الشامل إذا تسلط عليها المترفون، ووجهوها عكس مسيرة الخير والفضيلة، واتخذوها وسيلة للبطش بالآخرين، كما فعلت عاد فدمرها الله شر تدمير، فأين الأحقاف التي كانت مساكنهم بين اليمن وحضرموت؟، وأين قبورهم وآثارهم؟!.
[٩] كذلك ثمود الذين سكنوا شمالي الجزيرة العربية بين المدينة والشام، فشيدوا لأنفسهم القصور التي اقتطعوها من الجبال المحيطة وحفروها أيضا ملاجئ ومخازن لهم .. إن مصيرهم كان أيضا الدمار.
وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي جابوا: أي قطعوا، ويقال: يجوب البلاد أي يقطعها، والوادي: المسير بين الجبال.
[١٠] وكانت عاد وثمود وقصة إبادتهم معروفة عند العرب في الجزيرة، لأنهما كانتا في طرفي الجزيرة، أما آل فرعون فقد كانت قصتهم مشهورة عند الأمم، لأنها كانت ذات صبغة عالمية، وقد سمعتها العرب من أهل الكتاب الذين اتصلوا بهم، وقد فصلها القرآن تفصيلا في مواضع كثيرة، وأجملها هنا بكلمات فقال وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ قالوا: أوتاده أركان سلطته من جنود وعساكر وأموال وأساليب قهر وسلطان، وقال بعضهم: بل كان يعذب الناس بالأوتاد حيث يشدهم بها إلى أن يموتوا، وهكذا فعل بآسية: زوجته وماشطة ابنته، وقال بعضهم: بل الأهرامات التي تشبه الوتد في الأرض .. وأنى كان فقد زعم أن تلك الأوتاد تنقذه من مصيره!!.
[١١] ويبدو أن المراد بفرعون هم آل فرعون، أو هو وأوتاده الذين أيدوه، فلذلك قال عنهم ربنا سبحانه الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ذلك أن للإنسان قدرة محدودة لتحمل ضغوط التملك، فمن الناس من تبطره نعمة تافهة، ومنهم من إذا امتلك الدنيا يظل قادرا على التصرف بحكمة ورشد، وإنما يرتفع إلى مستوى ضبط النعم وعدم الوقوع في أسرها والاسترسال مع رياحها إذا كان مؤمنا بالله وباليوم الآخر. وآل فرعون أبطرتهم النعمة، فلما رأوا النيل يجري في بلادهم بالخيرات، وقد دانت لهم الشعوب المستضعفة من حولهم، وقد عرفوا بعض العلوم الجديدة من فن العمارة والزراعة وتحنيط الأموات وما أشبه استكبروا في الأرض وطغوا.
[١٢] وهكذا ركبوا مطية الطغيان الجامحة، وأسكتوا الأصوات المعارضة، وتسلحوا بمنطق القوة، واتبعوا نهج الدجل والتضليل، وأصبحت السلطة مركزا لكل فاسد مفسد،