من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٨ - إن ربك لبالمرصاد
وأما المظلوم والمستضعف والثائر المقهور فإنهم جميعا يزدادون أملا واستقامة وتحديا عندما يعرفون أن الله من الظالمين بالمرصاد، فلا ينهزمون نفسياً ولا يستسلمون.
[١٥] لكي يتسامى الإنسان عن حتميات المادة ومؤثراتها الضاغطة، ولكي يبقى مالكا للدنيا متصرفا فيها لا مملوكا لها مسترسلا معها، وبالتالي لكي لا تطغيه الثروة والسلطة وتجره إلى الترف والفساد، يبصرنا الذكر بحكمة المال والقدرة المتمثلة في اختيار إرادة الإنسان وتجربة معدنه ومدى صبره على إغرائها وانسيابه مع جاذبيتها. وليست الثروة دليل كرامة الإنسان عند الله واجتبائه من لدنه، فلا يستبد به الغرور فيزعم أنه على حق، ثم يتسافل فيزعم أنه بذاته الحق، ثم يبلغ به السفه والطغيان إلى الزعم بأنه الرب الأعلى! كلا .. الثروة مادة اختبار، وعلى الإنسان أن يتخلص من إغرائها بإنفاقها والتقيد بالحدود الشرعية في جمعها. فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ بلى، الثروة بذاتها نعمة وكرامة ولكنها في ذات الوقت ابتلاء واختبار، وهذا هو الخط الفاصل والدقيق في ذات الوقت بين البصيرة الإلهية والتصور البشري، فليست الثروة رجسا، وليست كرامة دائما، بل هي حقيقة بلا هوية بلا صبغة، وإنما تكتسب هويتها وصبغتها من طريقة تصرف الإنسان فيها.
[١٦] كما إن الفقر ليس بذاته نقمة، وإنما النقمة الاستسلام له، والاعتقاد بأنه دليل مهانة عند الله. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ وكانت حكمة ضيق الرزق ابتلاءه، تراه فقد ثقته بنفسه، وزعم أنه رجل مهان منبوذ، وأن واقعه لا يتغير. فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كلا .. الفقر ليس إهانة، بل هو اختبار، ورب فقير ذي طمرين لا يؤبه به عند الناس لو أقسم على الله لأبره. أليست الثروة قد تكون على طرق غير مشروعة، بل عادة تكون كذلك؟ أوليس الفقر قد يكون لأسباب خارجة عن إرادة الإنسان كأن يولد الإنسان في بلد فقير ومن أبوين معدمين؟ فكيف تكون الثروة مقياسا للكرامة الإلهية، وتتحول بذاتها إلى قيمة مقدسة، ويصبح الفقر معيارا للهوان عند الله، أداة لتذليل الإنسان وتصغيره؟.
[١٧] كيف يتخلص الإنسان من جواذب المادة وأثقالها؟ بإكرام الضعفاء والإنفاق عليهم، وعدم انتهاب أموال المحرومين. أولئك الذين جعلوا المادة قيمة تراهم ممسوخين عن الفطرة السليمة، فلا تجدهم يكرمون اليتيم الذي يستثير الرحمة والعطف عند البشر السوي، أنى كان دينه ومستواه. كَلَّا ليس كما تزعمون أن الغنى دليل كرامة الفرد عند الله، وأن الفقر دليل هوانه، إنما هما ابتلاء وفتنة. بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وهذا عاقبة المجتمع المادي المرتكس في أوحال المادة وعبادة الثروة وإكرام الغني لغناه .. فهل هذه العاقبة تنسجم مع العاطفة الإنسانية، وهل يقبلها وجدان بشر أنى كان؟ كلا .. إن بني آدم مفطورون على العطف على