من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٤٣ - إنه لقول فصل وما هو بالهزل
لآياته، وبيان لسننه، ومظهر لأسمائه إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ يفصل بين الصواب والخطأ والحق والباطل، كما إن يوم القيامة يوم الفصل. وقد روي عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال
[سَمِعْتُ رَسُولَ الله يَقَول: كِتَابُ الله فِيهِ بَيَانُ مَا قَبْلَكُمْ مِنْ خَيْرٍ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ وَلِيَهُ مِنْ جَبَّارٍ فَعَمِلَ بِغَيْرِهِ قَصَمَهُ اللهُ، وَمَنِ الْتَمَسَ الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ الله]
[١]. وقد جاءت هذه الكلمة في هذا السياق لكي لا يلجأ الإنسان من هول ما يسمعه إلى التكذيب، ويقول في نفسه: لعل هذا الوعيد نوع من التخويف المبالغ فيه. كلا .. فليس في القرآن كلمة كاذبة أو مبالغة، ولا حرف ولا إيفاء حرف. أنه كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وهكذا يسد السياق كل منافذ الفرار النفسي من مواجهة الحقيقة الكبرى التي تنتظر الجميع (حقيقة الجزاء) فلا إخفاء ولا تبرير ولا محاورات الاستنصار بالآخرين أو التهرب من الحقيقة بتكذيبها.
[١٥] ولا يقتصر الكفار على تكذيب رسالات الله للتهرب من الحقائق التي تذكر بها، وإنما يحاربونها بشتى ألوان الحرب حتى يصنعوا حجابا نفسيا واجتماعيا بينهم وبينها، فلا يتأثرون بها أبدا. إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً والكيد هو: التلطف لبلوغ الهدف بأساليب مختلفة، ويستخدم في الشر والخير، وأن كانت الكلمة توحي بالشر. والكلمة المرادفة لها في أدبنا اليوم: التخطيط الحصيف، ويبدو أن مجمل مساعي الكفار ومن هم في خط النفاق والفسق تتجه نحو تغيير مسار الحق، وإخفائه بالباطل الذي يبتدعونه، والصد عنه بالمكر والكيد. إنه الموقف الاستراتيجي للكفر. ومن خصائص الكيد التوسل ببعض الخطط الخفية التي لا تبلغ الهدف إلا عبر مراحل عديدة، وقد يضع الكفار خطة خمسية أو عشرية أو حتى بعيدة المدى لعلها تبلغ هدفها بلا عقبات، لأنها في زعمهم خطة محكمة سرية ومتواصلة الحلقات. بيد أن خططهم لا تهدف الرسول كشخص، ولا المؤمنين كطائفة، بل تهدف الرسالة التي يدعون إليها، وغريمهم في ذلك لن يكون المؤمنون أو الرسول وحسب بل رب العزة جبار السماوات والأرض سبحانه وتعالى.
[١٦] وإذا كان الكفار يسعون لبلوغ هدفهم عبر خطط متناهية في الدقة بزعمهم فإن كيد الله متين. كيف يكيد الله لهم؟ إنه سبحانه يهيئ أسباب تدميرهم على حين غفلة منهم. أرأيت كيف يدبر الشرطة مثلا خطة للإيقاع بالمجرمين، ويخطط المجرمون لجريمتهم بإتقان ويخطط الشرطة، والمجرمون لا يعرفون شيئا عن خطط الشرطة، بينما رجال الشرطة يعرفون ما يجري هناك؟! وفي ساعة الصفر حينما تبلغ خطط الكفار مرحلة التنفيذ، ويكادون يسطون بالنبي
[١] بحارالأنوار: ج ٨٩، ص ٢٤.