من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٦ - إن الكافرون إلا في غرور
يمكن للصناعي أن يطور صناعته أو يستخرج نفطا أو ذهبا أو حجرا كريما؟! وهكذا يتقلب البشر في رزق الله يكتسب منه معاشه فإن انعدم الرزق لم يبقَ معاش، ولكن بالرغم من وضوح هذه الحقيقة ترى الكفار يصرون على الكفر والغرور.
«بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ» لج لجاجة: عَنَدَ في الخصومة، وتمادى في العناد إلى الفعل المزجور عنه، ولج في الأمر: لازمه وأبى أن ينصرف عنه. و العتو: الاستكبار الذي يجاوز الحد، والقلب يقسو فلا يلين، والظالم يطغى ويتجبر. و النفور: يعني التباعد، ونفر الظبي: شرد وابتعد، والإنسان: أعرض عن الشيء وصد، وفي كلمة «وَنُفُورٍ» تشبيه للكفار بالحمير والدواب [١]، إذ تمادوا في معاندة الحق مع وضوحه، وأصروا على لزوم الباطل مع زهوقه، وتجاوزوا الحد في الاستكبار، وركبوا التباعد عن الحق شرودا وإعراضا وصدودا.
[٢٢- ٢٣] وكيف لنا أن نتصور مسيرة من كان في غرور ولجاجة من العتو والنفور عن الهدى والحق، إلا كمن يمشي مرسلا نظره إلى الأرض لا يرى أمامه، أو كمن على بصره غشاوة يتخبط ولا يهتدي سبيلا أفهل يستوي هو ومن يبصر أمامه وينتفع بجميع حواسه وهو على صراط مستقيم؟! «أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» وللمكب معنيان- حسب ما قالوا-: أحدهما الذي ينظر إلى الأرض وهو يمشي، والثاني من لف على وجهه شيئا يقال تكبكب في ثيابه إذا تلفف بها، والمكب على وجهه الذي لف عليه شيئا، والسوي الذي يمشي بكامل حواسه وإمكاناته ووعيه فهو السوي، قال تعالى «آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً» [مريم: ١٠]، أي كاملة، وقال «فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنْ اهْتَدَى» [طه: ١٣٥]، أي الصراط السليم، وأن الكافرين لا يمشون في الحياة بكامل حواسهم ووعيهم، وليس أدل على ذلك من أنهم معطلة أسماعهم عن تلقي المواعظ، وعقولهم عن وعي الحق واستيعابه كما وصفوا أنفسهم وكما وصفهم ربهم في قوله «لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا» [الأعراف: ١٧٩] ويؤكد هذه الحقيقة قوله تعالى في الآية اللاحقة مفسرا معنى المكب.
«قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ» قيل: إنكم لا تشكرون إلا قليلا، وقيل: إن المعنى لا يشكر منكم إلا قليل، وكلا المعنيين صحيح. وإن لشكر النعم جانبين
الأول: ألَّا يستخدم الإنسان نعم الله عليه في معصيته، فلا يسمع بإذنه ما حرَّمه عليه كالغيبة والكذب والغناء، ولا ينظر بعينه ما هو محظور كأعراض الناس وعوراتهم، ولا يجعل
[١] قال تعالى «كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ [٥٠] فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ» [المدثر: ٥٠- ٥١].