من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٥ - إن الكافرون إلا في غرور
يجعله يعيش في الحياة من دون قيد أو ضابط، ولكن القرآن ينسف هذه الأفكار والمزاعم من جذورها مبينا أنها ليست سوى نشوة من الغرور الجامح «أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَكُمْ يَنصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ» و «مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ» تتسع إلى معنيين هما
١- الضد .. وعليه تنصرف الآية إلى الشركاء الموهومين والقوى التي يغتر بها الكافرون كالمال والسلطة فإنها كلها لا تنصرهم ضد الله، ولو نصرتهم جدلا فهي لا تنفعهم شيئا.
٢- أو تكون الآية منصرفة إلى الشفعاء فإنهم كذلك لا يمكن أن يشفعوا لأحد من دون إذن الله ورحمته، فلماذا يجعل الإنسان بينه وبين ربه حجبا ووسائط، وهو قادر على الاتصال بمصدر الرحمة والنصر؟!.
إن الشفعاء الحقيقيين كالأنبياء والأولياء ليسوا بدائل عن طاعة الله، وعن الدعاء إليه مباشرة، بل هم وسائل وسبل إلى الرحمن سبحانه.
«إِنْ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ» والغرور هو الوهم. أترى كم هو مغرور ذلك الغبي الذي يزعم أنه قادر على مقاومة الانفجار النووي بيمينه؟! بلى؛ قد يزخرف القول ويخادع نفسه ولكنه عند مواجهة الحقيقة يكتشف أنه إنما كان في غرور محيط، وإننا نرى اليوم مدى الغرور الذي فيه قوى الاستكبار العالمي، لما تملك من ترسانات الأسلحة، والقدرة الاقتصادية، ولكن أين هذا كله من قدرة الله المطلقة حتى يبارزونه عز وجل ويدعون أنهم سوف ينتصرون على الحق؟! و عادة لا يكتشف الغرور إلا بعد فوات الأوان عندما يصطدم الإنسان بالحقيقة المرة حيث لا ينفعه شيئا. و نتساءل: ألم يكن من الأنسب أن يذكر هنا أسماء العزة والقوة بدل اسم «الرَّحْمَنِ» حيث إن السياق سياق التحدي، ولكننا عند التدبر نهتدي إلى إشارة لطيفة في ذكر اسم «الرَّحْمَنِ» فكأن القرآن يقول للإنسان: إن مصالحك الحقيقية تجدها عند صاحب الرحمة، فلماذا تتخذ الشركاء من دونه؟! عندما تضيق مذاهب الحياة أين نلجأ. أوليس إلى رحاب رحمة الله؟ وحينما تتوالى المصائب والنكبات إلى من نجأر. أوليس إلى حصن الرحمن؟.
[٢١] وإنه لثابت فطريًّا وعمليًّا لذوي العقول أنهم إنما ينتصرون على المشاكل والتحديات بفضل الله، ولا يلمسون أثرا لقوى أخرى تنصرهم ويستعينون بها عند الشدائد سواه سبحانه، وعندما تحبس السماء غيثها هل يقدر الشركاء المزعومون أن ينزلوه؟ كلا .. ألا ترى كيف يجأر الإنسان عندما
يحبس رزقه إلى ربه، تبعثه إلى ذلك الفطرة، ويحثه العقل؟! «أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ» ويبدو أن الرزق هو أرضية الاكتساب، فلولا أن الأرض خصبة والمياه متوفرة هل يمكن للزارع أن يكتسب منها شيئا؟! ولولا أن البلد يكون فيه معادن ومنابع هل