من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٤ - إن الكافرون إلا في غرور
وذلك يؤكد الحقيقة التي تعلنها الآية «إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ» يتبصر حقيقته ودوره والهدف من خلقه وتناسب هذا الخلق مع سائر خلقه سبحانه. ونحن يجب أن نهتدي إليها حينما نشاهد طائرا يطير وقد جعل كل شيء مناسبا لحركته في الفضاء: حجمه، أجنحته، تركيبة بدنه، طعامه وشرابه، وتوالده وتكاثره، هذا ما نعرفه وسائر البشر، أما العلماء والمتخصصون الذين يدرسون حياة مخلوقات الله جامدة أو متحركة فهم كلما ازدادوا معرفة بها ازدادوا إيمانا بدقة صنعه عز وجل.
تعالوا نستمع إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام يحدث رجلا من شيعته (المفضل بن عمر) عن الدقة في خلقة الطير والحكمة في صنعه
تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ جِسْمَ الطَّائِرِ وَخِلْقَتَهُ فَإِنَّهُ حِينَ قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ طَائِراً فِي الْجَوِّ خُفِّفَ جِسْمُهُ وَأُدْمِجَ خَلْقُهُ فَاقْتَصَرَ بِهِ مِنَ الْقَوَائِمِ الْأَرْبَعِ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَمِنَ الْأَصَابِعِ الْخَمْسِ عَلَى أَرْبَعٍ وَمِنْ مَنْفَذَيْنِ لِلزِّبْلِ وَالْبَوْلِ عَلَى وَاحِدٍ يَجْمَعُهُمَا ثُمَّ خُلِقَ ذَا جُؤْجُؤٍ مُحَدَّدٍ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرِقَ الْهَوَاءَ كَيْفَ مَا أَخَذَ فِيهِ. كَمَا جُعِلَ السَّفِينَةُ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ لِتَشُقَّ الْمَاءَ وَتَنْفُذَ فِيهِ وَجُعِلَ فِي جَنَاحَيْهِ وَذَنَبِهِ رِيشَاتٌ طِوَالٌ مِتَانٌ لِيَنْهَضَ بِهَا لِلطَّيَرَانِ وَكُسِيَ كُلُّهُ الرِّيشَ لِيُدَاخِلَهُ الْهَوَاءُ فَيُقِلَّهُ.
وَلَمَّا قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ طُعْمُهُ الْحَبَّ وَاللَّحْمَ يَبْلَعُهُ بَلْعاً بِلَا مَضْغٍ نُقِصَ مِنْ خَلْقِهِ الْأَسْنَانُ وَخُلِقَ لَهُ مِنْقَارٌ صُلْبٌ جَاسٍ يَتَنَاوَلُ بِهِ طُعْمَهُ فَلَا ينسجح مِنْ لَقْطِ الْحَبِّ وَلَا يَتَقَصَّفُ مِنْ نَهْشِ اللَّحْمِ وَلَمَّا عَدِمَ الْأَسْنَانَ وَصَارَ يَزْدَرِدُ الْحَبَّ (أي يبتلعه) صَحِيحاً وَاللَّحْمَ غَرِيضاً أُعِينَ بِفَضْلِ حَرَارَةٍ فِي الْجَوْفِ تَطْحَنُ لَهُ الطُّعْمَ طَحْناً يَسْتَغْنِي بِهِ عَنِ الْمَضْغِ وَاعْتَبِرْ ذَلِكَ بِأَنَّ عَجَمَ الْعِنَبِ وَغَيْرِهِ يَخْرُجُ مِنْ أَجْوَافِ الْإِنْسِ صَحِيحاً وَيُطْحَنُ فِي أَجْوَافِ الطَّيْرِ لَا يُرَى لَهُ أَثَرٌ ثُمَّ جُعِلَ مِمَّا يَبِيضُ بَيْضاً وَلَا يَلِدُ وِلَادَةً لِكَيْلَا يَثْقُلَ عَنِ الطَّيَرَانِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَتِ الْفِرَاخُ فِي جَوْفِهِ تَمْكُثُ حَتَّى تَسْتَحْكِمَ لَأَثْقَلَتْهُ وَعَاقَتْهُ عَنِ النُّهُوضِ وَالطَّيَرَانِ فَجُعِلَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ مُشَاكِلًا لِلْأَمْرِ الَّذِي قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ... تَأَمَّلْ رِيشَ الطَّيْرِ كَيْفَ هُوَ فَإِنَّكَ تَرَاهُ مَنْسُوجاً كَنَسْجِ الثَّوْبِ مِنْ سُلُوكٍ دِقَاقٍ قَدْ أُلِّفَ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ كَتَأْلِيفِ الْخَيْطِ إِلَى الْخَيْطِ وَالشَّعْرَةِ إِلَى الشَّعْرَةِ ثُمَّ تَرَى ذَلِكَ النَّسْجَ إِذَا مَدَدْتَهُ يَنْفَتِحُ قَلِيلًا وَلَا يَنْشَقُّ لِتُدَاخِلَهُ الرِّيحُ فَيَقِلَّ الطَّائِرُ إِذَا طَارَ وَتَرَى فِي وَسَطِ الرِّيشَةِ عَمُوداً غَلِيظاً مَتِيناً قَدْ نُسِجَ عَلَيْهِ الَّذِي هُوَ مِثْلُ الشَّعْرِ لِيُمْسِكَهُ بِصَلَابَتِهِ وَهُوَ الْقَصَبَةُ الَّتِي هُوَ فِي وَسَطِ الرِّيشَةِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ أَجْوَفُ لِيَخِفَّ عَلَى الطَّائِرِ وَلَا يَعُوقَهُ عَنِ الطَّيَرَانِ] [١].
[٢٠] ولا شك أن ذلك الجهل بواقع الحياة هو جهل بآيات الله سبحانه، مما يدعو الإنسان إلى التكذيب بالحق والكفر بربه، وبالتالي أن يشرك به الأنداد المزعومين، ظنا منه بأنه قادر بواسطتهم على الفرار من سلطان الله القاهر وعلى التهرب من مسؤولية الحق، الأمر الذي
[١] بحار الأنوار ج ٣، ص ١٠٣.