من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٤ - ويل يومئذ للمكذبين
الثاني: الإهلاك والتدمير، قال الرازي
يعني أن الله لما أرسل أولئك الملائكة فهم يعصفون بروح الكافر، يقال: عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه]
[١]، وعصفت الحرب بالقوم أي ذهبت بهم وأهلكتهم، ويقال
عصف الدهر بهم أي أبادهم]
[٢]. ويبدو أن الأقرب إلى السياق تأويل العصف بسرعة الرياح في حمل الغيث، وليس في سرعتها في الإهلاك.
«وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً» إذا قلنا إنها الرياح فهي تنشر السحاب في الآفاق، وتنشر الغيث والرحمة الإلهية من زرع وغيره، كما أنها تنشر الحبوب واللقاح في بقاع الأرض المختلفة، كما أن الملائكة
ينشرن أجنحتهن في الجو عند انحطاطهن بالوحي] [٣].
وتنشر الكتب عن الله]
[٤]، أو
تنشر الرحمة والعذاب، أو تنشر الكتب يوم الحساب] [٥].
«فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً» قيل
إنها الرياح التي تفرق بين السحاب فتبدده (بعد اجتماع، ليقف المطر، وتطلع الشمس، ويظهر وجه السماء بعد الغيب) عن مجاهد]
[٦]، كما تفرِّق الملائكة
بين الحق والباطل بما تتنزل به من الآيات والوحي عن الله على رسله، هكذا في التبيان]
[٧] والتفسير الكبير [٨].
«فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً» الملائكة تلقي رسالات الله على الأنبياء، ولكن الملائكة ليست وحدها التي تذكرنا بالله إنذارا وإعذارا فإن الرياح تفعل ذلك أيضا، لا فرق إن كانت رياح عذاب أو رياح رحمة، والغيث النازل منها هو الآخر ذكر عظيم باعتباره يذكرنا بالبعث والخروج عندما يسقي الأرض فتراها اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، وهذه الفكرة تفسر لنا اقتران الكلام عن القرآن ورسالات الله كثيرا بالحديث عن منظر الغيث وما يتلوه من ظواهر طبيعية على الأرض.
«عُذْراً» عذرا بإقامة الحجة حيث ألقى الله الذكر عبر الملائكة، أو حذَّرهم وذكَّرهم بالرياح العاصفة .. كل ذلك قبل أن ينزِّل عليهم العذاب. «أَوْ نُذْراً» والإنذار معروف.
ولكن نتساءل عن الفرق بينه وبين الإعذار؟.
[١] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ٢٦٤.
[٢] المنجد: مادة عصف.
[٣] الكشاف: ج ٤، ص ٦٧٧.
[٤] التبيان: ج ١٠، ص ٢٢٣.
[٥] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ٢٦٤.
[٦] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥٢٨.
[٧] التبيان: ج ١٠، ص ٢٢٤.
[٨] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ٢٦٦.