من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٣٦ - ويل يومئذ للمكذبين
بالآخرة (البعث والحساب والجزاء) لما التزم بالنظم والشرائع الإلهية، ذلك أن الإيمان بسنة الجزاء الممتدة من الدنيا إلى الآخرة هو الذي يحرك فيه روح الانضباط والمسؤولية.
والذي يتدبر آيات القرآن في موضوع الآخرة يلاحظ أنها أصبحت من الكثرة والتفصيل والتأكيد من أبرز خصائص هذا الكتاب مما يبعث السؤال عن سبب ذلك وخلفياته. لعل أهم الأسباب هي التالية
أولًا: أهمية موضوع الآخرة، فإن الآخرة- كما سبق وأن قلنا في مواضع كثيرة- تعتبر حجر الأساس في تفكير الإنسان المؤمن وإيمانه.
ثانياً: إن الآخرة غيب في المستقبل والإسلام يريدها حاضرة في وعي المؤمنين، من هنا يفصِّل الحديث فيها وينوعه ويكرره حتى يوصل ذلك الغيب إلى مستوى الشهود عندهم، لذا نجد القرآن بعد الإشارة إلى الآخرة يبين الأمر ويفصل في توجيهنا إلى مشاهدها العظيمة.
«فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ» قال القمي
يذهب نورها وتسقط]
[١]، وقال العلامة الطوسي
والطمس محو الأثر الدال على الشيء، والطمس على النجوم كالطمس على الكتاب، لأنه يُذهب نورها والعلامات التي كانت تعرف بها]
[٢]، وقال الفخر الرازي
يحتمل أن يكون المراد مُحِقت ذاتها، وهو موافق لقوله
«انتَثَرَتْ» و «وانكَدَرَتْ»
وأن يكون المراد: محقت أنوارها، والأول أولى لأنه لا حاجة فيه إلى الإضمار]
[٣]. والأقرب عندي ما قاله الرازي لأن أصل الطمس من المحو وغياب المطموس. كما يظهر من ملاحظة الآيات القرآنية التي تناولت موضوع القيامة من زاوية حال النجوم يومئذ أنها كما الجبال تمر بمراحل حتى تنتهي وتزول، فهي تنتثر عن بعضها ونسقها بسبب اختلال نظامها الكوني أولًا، ثم تنكدر واحدة واحدة، ثم تُطمس تماما فلا يبقى منها شعاع يدل عليها.
«وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ» في تفسير القمي
تَنْفَرِجُ وَتَنْشَقُ]
هكذا جاء في رواية عن أبي الجارود عن الإمام الباقر عليه السلام [٤]، وفي مجمع البيان
أي صارت فيها فروج]
[٥]، بعد أن كانت محبوكة محكمة لا
ثغرة في نظامها ولا منفذ في بنيانها أبدا (لا تفاوت ولا فطورا)، ولعل هذه مرحلة أولية تعقبها مراحل متتالية أخرى. وحسب ما يظهر من آيات كريمة أخرى: أن
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ٤٠٠.
[٢] التبيان: ج ١٠، ص ٢٢٥.
[٣] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ٢٦٩.
[٤] تفسير القمي: ج ٢، ص ٤٠٠.
[٥] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥٢٩، بتصرف.