من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٨ - ولربك فاصبر
ومعه ثمانية عشر، أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم كالصياصي، يخرج لهب النار من أفواههم، ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، تَسَعُ كَفُّ أحدهم مثل ربيعة ومضر، نُزعت منهم الرحمة، يرفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم]
[١]، «عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ» وتحتمل الآية معاني عدة
الأول: المعنى الظاهر وهو أن خزنة سقر هذه عدتهم، وليس ذلك بالقليل إذا كانت صفتهم كما ذكر صاحب المجمع، بل إنه تعالى قادر أن يجعل عليها واحدا يدير شؤونها ويعذب أهلها أشد أنواع العذاب.
الثاني: أن التسعة عشرة خَزَنَةُ وادي سقر فقط، ولبقية أجزاء جهنم خزنة آخرون.
الثالث: أن العدد المذكور هم بمثابة القواد والمدراء، وتحت إمرتهم مالا يدرك عددهم إلا الله من الملائكة، وإلى هذا المعنى إشارة في قول الله «وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ» [المدثر: ٣١]، والجهل بهذه الحقائق هو الذي دفع المشركين إلى الاستهزاء، وكفرهم بالغيب ..
قال أبو جهل يوما: يا معشر قريش! يزعم محمد أن جنود الله الذين يعذبونكم في النار تسعة عشر، وأنتم أكثر الناس عددا، أفيعجز مائة رجل منكم عن رجل منهم؟! ... وقال رجل من قريش يُدعى أبا الأشد: يا معشر قريش! لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع عنكم بمنكبي الأيمن عشرة، وبمنكبي الأيسر التسعة، فأنزل الله
«وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً»] [٢].
«وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً» إن الله يمتحن عباده بما يشاء، ومما يمتحنهم به أمرهم بالإيمان بالغيب، وكلما كان الغيب أشد غموضا صَعُبَ الإيمان به، وكان أرفع درجة في القرب من الله، ولذلك جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام
إِنَّا صُبُرٌ وشِيعَتُنَا أَصْبَرُ مِنَّا،
قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ كَيْفَ صَارَ شِيعَتُكُمْ أَصْبَرَ مِنْكُمْ قَالَ
لِأَنَّا نَصْبِرُ عَلَى مَا نَعْلَمُ وشِيعَتُنَا يَصْبِرُونَ عَلَى مَا لَا يَعْلَمُونَ]
[٣]، ولقد جعل الله الإيمان بالغيب ركنا أساسيًّا في الشخصية الإيمانية، ومن هذا المنطلق أخفى كثيرا من الحقائق كالموت والبرزخ والآخرة، فأما الكفار والمشركون والذين في قلوبهم مرض فإن الغيب يزيدهم فتنة ونفورا، ليس لأنه لا واقعية له، فالآيات الهادية إليه كثيرة، وإنما لأن الإيمان به درجة رفيعة من العلم والإيمان، لا يصل إليها إلا عباد الله المتميزون المتقون «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة» [البقرة: ٣]، وسبيل المؤمنين إلى اليقين بالغيب أمران
[١] مجمع البيان: ج ١٠ ص ٤٩٢.
[٢] أسباب النزول للسيوطي: ص ٢٢٤.
[٣] الكافي: ج ٢، ص ٩٣.