من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٥ - ولربك فاصبر
قال القمي
عبس وجهه، وبَسَرَ القى شدقه]
[١]، وعن قتادة قال
قبض ما بين عينيه وكلح]
[٢]، وفي فقه اللغة للثعالبي
إذا زوي ما بين عيني الرجل فهو قاطب عابس، فإذا كشَّر عن أنيابه مع العبوس فهو كالح، فإذا زاد عبوسه فهو باسر مكفهر]
[٣]، وذكر اللغويون الاستعجال واحدًا من معاني البسور، يقال
بَسَرَ الغريم أي تقاضاه قبل الأجل، وبسر الدمل: عصره قبل نضجه، وبسر الفحل الناقة قبل الضبعة أي قبل أن تطلب اللقاح]
[٤]، فكأن الباسر في وجه أحد يستعجل به الأذى والشر، وبذلك
قال الراغب في مفرداته [٥]. وقد تُعَبِّر عن العبوس والبسور المفردات والتصرفات التي تصدر عن الإنسان بقلمه وفمه ومواقفه، فالطاغوت قد يُعبِّر عن عبوسه وبسوره وجهه، وقد تظهر في قمعه الجنوني للمعارضة بل ولعامة الناس، وما يقصه القرآن الكريم عن الوليد بن المغيرة ليس إلا شاهدا على طبيعة الموقف الذي يتخذه المترفون في كل مكان وزمان ضد الدعوات الإصلاحية، فإنهم باعتبارهم بؤرة الفساد في المجتمع أول المتضررين بهذا التغيير، ولهذا يكونون طليعة المعارضة للحق.
«ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ» بلى؛ إنه فكَّر في الموقف من الرسالة، كان يريد الوصول إلى أفضل طريقة للمعارضة والتضليل .. بل وتبرير كفره أمام عقله وضميره، ولكنه كلما أعمل فكره ونظره تجلَّت له الحقيقة وعاد بصره خاسئا وهو حسير، وكان من المفروض أن يُقْبِل على الإيمان بالحق، ويتواضع له عن مراتب النفور والاستكبار والاعتزاز بالإثم، إلا أنه أصر على الكفر من لحظته الأولى فازداد إدبارا، وحيث اختار موقف الكفر فكَّر مرة أخرى لتبرير موقفه من الحق المبين، فما وجد تهمة أصلح- في نظره- من قذف الرسالة بالسحر.
«فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ» ولكلمة «يُؤْثَرُ» هنا معنيان ربما أرادهما السياق معا
الأول: ينقل عن الآخرين، وقد اتفق أكثر المفسرين عليه، أي يؤثره عن غيره من القوى القادرة عليه كالسحرة والشياطين، من قولهم
أثرت الحديث أُثْرَةً وَأَثْرًا إذا حدثت به عن قوم في آثارهم، ومنه قولهم: حديث مأثور عن فلان]
. الثاني: تميل إليه النفوس وتفضِّله على غيره، قال في المجمع: وقيل هو من الإيثار، أي سحر تُؤْثِره النفوس، وتختاره لحلاوته فيها] [٦]، وبذلك سعى الطاغية للتقليل من شأن أمرين مهمين
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٩٤ بتصرف.
[٢] الدر المنثور: ج ٦ ص ٢٨٣.
[٣] فقه اللغة للثعالبي: ص ١٤٠.
[٤] تفسير البصائر: ج ٥٠، ص ٢٨٠.
[٥] مفردات غريب القرآن: مادة بسر.
[٦] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٩٢.