من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٣ - ولربك فاصبر
هدفا نبيلا واتخذ فكره وسيلة لتحقيقه، فالمهم ليس أن تفكر وتُقدِّر بل الأهم لماذا تمارس التفكير والتقدير، وإلى ذلك يوجهنا القرآن بطرح السؤال «كَيْفَ قَدَّرَ» مكررا؟.
ويصف علي بن إبراهيم القمي حالة الوليد عندما فَكَّر وقدَّر ويقول
فَإِنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وَ كَانَ شَيْخاً كَبِيراً مُجَرَّباً مِنْ دُهَاةِ الْعَرَبِ وَكَانَ مِنَ الْمُسْتَهْزِءِينَ بِرَسُولِ الله صلى الله عليه واله، وَكَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله يَقْعُدُ فِي الْحِجْرِ وَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ مَا هَذَا الَّذِي يَقُولُ مُحَمَّدٌ شِعْرٌ أَمْ كِهَانَةٌ أَمْ خَطْبٌ فَقَالَ دَعُونِي أَسْمَعْ كَلَامَهُ فَدَنَا مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه واله فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْشِدْنِي مِنْ شِعْرِكَ. قَالَ صلى الله عليه واله: مَا هُوَ شِعْرٌ وَلَكِنَّهُ كَلَامُ الله الَّذِي ارْتَضَاهُ الْمَلَائِكَةُ وَأَنْبِيَاؤُهُ وَرُسُلُهُ. فَقَالَ: اتْلُ عَلَيَّ مِنْهُ شَيْئاً فَقَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ الله صلى الله عليه واله حم السَّجْدَةَ فَلَمَّا بَلَغَ قَوْلَهُ
«فَإِنْ أَعْرَضُوا»
يَا مُحَمَّدُ قُرَيْشٌ
«فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ»
. قَالَ فَاقْشَعَرَّ الْوَلِيدُ وَقَامَتْ كُلُّ شَعْرَةٍ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ وَمَرَّ إِلَى بَيْتِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ إِلَى قُرَيْشٍ مِنْ ذَلِكَ فَمَشَوْا إِلَى أَبِي جَهْلٍ فَقَالُوا يَا أَبَا الْحَكَمِ إِنَّ أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ صَبَأَ إِلَى دِينِ مُحَمَّدٍ أَ مَا تَرَاهُ لَمْ يَرْجِعْ إِلَيْنَا، فَعَدَا أَبُو جَهْلٍ إِلَى الْوَلِيدِ فَقَالَ لَهُ يَا عَمِّ نَكَّسْتَ رُءُوسَنَا وَفَضَحْتَنَا وَأَشْمَتَّ بِنَا عَدُوَّنَا وَصَبَوْتَ إِلَى دِينِ مُحَمَّدٍ قَالَ: مَا صَبَوْتُ إِلَى دِينِهِ وَلَكِنِّي سَمِعْتُ كَلَاماً صَعْباً تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْجُلُودُ.
فَقَالَ: لَهُ أَبُو جَهْلٍ أَ خَطْبٌ هِيَ؟ قَالَ: لَا إِنَّ الْخَطْبَ كَلَامٌ مُتَّصِلٌ وَهَذَا كَلَامٌ مَنْثُورٌ وَلَا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضاً!. قَالَ: فَشِعْرٌ هُوَ؟ قَالَ: لَا أَمَا إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ أَشْعَارَ الْعَرَبِ بَسِيطَهَا وَمَدِيدَهَا وَرَمَلَهَا وَرَجَزَهَا وَمَا هُوَ بِشِعْرٍ قَالُوا: فَمَا هُوَ؟! قَالَ: دَعْنِي أُفَكِّرُ فِيهِ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ، قَالُوا لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ مَا تَقُولُ فِيمَا قُلْنَاهُ؟!. قَالَ قُولُوا: هُوَ سِحْرٌ فَإِنَّهُ أَخَذَ بِقُلُوبِ النَّاسِ ..]
[١]. لقد انتهى به تفكيره القائم على أساس العناد إلى هذه النهاية الخاطئة، فتفوَّه بهذا الباطل، وكان من الممكن أن يوصله العقل إلى ساحل الأمن والهدى، ولكنه لم يفكِّر ويقدِّر حينما فكِّر وقدَّر بمنهجية موضوعية ومنطلقات سليمة، إنما مارس كل ذلك بهدف تضليل الآخرين، وتبرير ما هو عليه من الباطل والضلال لنفسه أمام وجدانه أولا ثم للناس المغرورين به، فأوقع نفسه في الشقاء، واستحق بذلك اللعنة والعذاب.
«ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ» وتكرار اللعنة بالقتل عليه دلالة على استحقاقه ضعفا من العذاب، الأول على عناده الآيات الربانية، والآخر على اتباعه هواه وبنات فكره بدل تشريع الله، أو يكون أحدهما جزاء التفكير المنحرف، والثاني جزاء التقدير الخاطئ. قال العلامة الطبرسي: هذا تكرير للتأكيد، أي لُعِنَ عُذِّب، وقيل: لُعِنَ بما يجري مجرى القتل، وقيل: معناه لعن على أي
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٩٣، بحار الأنوار: ج ٣٠ ص ٤٥١.