من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٢ - ولربك فاصبر
تحديها ورفض الخضوع لها، إلا أنه يجد نفسه عادة أمام أحد خيارين: إما الانهزام وإما التحدي والنصر، فكيف يسير باتجاه خيار التحدي؟ إنما يرتكز الانتصار ذلك على مدى رسوخ توحيد الله في نفسه، وذلك بأن يكبره في وعيه ويعظمه في نفسه قبل أن يكبره بلسانه، فآنئذ يصغر كل شيء دونه، وتتساقط في داخله كل الأصنام. وهذا هو سر انتصار المؤمنين على العقبات والتحديات والضغوط والقوى المضادة. وإنها لصفة أصيلة فيهم يصفها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بقوله
عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ]
[١]، وعلى ضوء هذه المعادلة يجب أن نفهم معنى التكبير في حياتنا الفردية والاجتماعية والسياسية.
وإنما تتعمق هذه الحقيقة في وعي الإنسان بالمعرفة السليمة بالله، وأنه الكبير المتعال، وأنه فوق أن يوصف أو ترقى إلى ذاته كلمات البشر أو تصوراته، ولهذا ورد في معنى (الله أكبر) عن أئمة الهدى عليهم السلام أنه
الله أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُوصَف]
[٢]، وفيما يلي ننقل رواية تبين نورا من أنوار عظمة الله عز وجل: روى الإمام الصادق عليه السلام عن جده المصطفى صلى الله عليه واله أنه قال
وَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا فِي الْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ، وَإِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَكاً يُقَالُ لَهُ خرقائيل لَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ جَنَاحٍ مَا بَيْنَ الْجَنَاحِ إِلَى الْجَنَاحِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، فَخَطَر لَهُ خَاطِرٌ هَلْ فَوْقَ الْعَرْشِ شَيْءٌ، فَزَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِثْلَهَا أَجْنِحَةً أُخْرَى فَكَانَ لَهُ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ أَلْفَ جَنَاحٍ مَا بَيْنَ الْجَنَاحِ إِلَى الْجَنَاحِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ.
ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَيُّهَا الْمَلَكُ طِرْ فَطَارَ مِقْدَارَ عِشْرِينَ أَلْفَ عَامٍ لَمْ يَنَلْ رَأْسَ قَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، ثُمَّ ضَاعَفَ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَاحِ وَالْقُوَّةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَطِيرَ فَطَارَ مِقْدَارَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ عَامٍ لَمْ يَنَلْ أَيْضاً، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَيُّهَا الْمَلَكُ لَوْ طِرْتَ إِلَى نَفْخِ الصُّورِ مَعَ أَجْنِحَتِكَ وَقُوَّتِكَ لَمْ تَبْلُغْ إِلَى سَاقِ عَرْشِي، فَقَالَ الْمَلَكُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَل
«سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى»
فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه واله: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُم] [٣].
ولعل من مفاهيم تكبير الله أن يسعى الإنسان المؤمن لتحطيم كيان الضلال والكفر، كي تتهاوى أنظمة الاستكبار والإفساد، وتبقى كلمة الله هي العليا في الواقع السياسي والاجتماعي، ويكون هو الأكبر في نفوس الناس ووعيهم، وتكبره ألسنتهم بالغدو والآصال، قال الفخر الرازي
وهذا تنبيه إلى أن الدعوة إلى معرفة الله ومعرفة تنزيهه مقدمة على سائر أنواع الدعوات]
[٤]. والذي يريد أن يدعو الناس إلى التوحيد يجب عليه أن يسقط كل الأصنام
[١] نهج البلاغة: خطبة: ١٩٣.
[٢] الكافي؛ ج ١، ص ١١٧.
[٣] بحار الأنوار: ج ٥٥، ص ٣٤.
[٤] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ١٩١.