من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٤٠ - ولربك فاصبر
وفي اللغة: المُدَّثِّر
المتفعل من الدثار، إلا أن التاء أدغمت في الدال لأنها من مخرجها، وهو المتغطي بالثياب عند النوم] [١].
مع أن الدال أقوى بالجهر فيها]
[٢]، يقال
تَدَثَّر تَدَثُّرا، ودَثَّره تدثيرا، ودثر الرسم يدثر دثورا إذا محي أثره]
[٣]، والقوي عندي في معنى المدثر ثلاثة آراء
الأول: ظاهر الكلمة أي المتدثر بغطاء، فإن الوحي كان ينزل على رسول الله صلى الله عليه واله في مختلف حالاته، راكبا وراجلا، ونائما ويقظا وهكذا.
الثاني: المتدثر بدثار النبوة، وقد بَيَّنَّا ما يشبه ذلك في تفسير الآية الأولى من سورة المزمل.
الثالث: المتكتم والمتخفي، وإنما سمي الدثار دثارا لأنه يخفي النائم، من باب دثرت المعالم إذا انمحت واختفت، وعليه يحتمل أن تكون سورة المدثر فاتحة المرحلة العلنية من الدعوة الإسلامية، التي مرت في بدايتها بظروف السرية والكتمان .. وإذا صح هذا الرأي قد نكون وصلنا إلى حل للاختلاف بين المفسرين في أنه هل (العلق) هي أول ما نزل من القرآن أم سورة المدثر؟ حيث يوصلنا هذا الرأي إلى أن (العلق) هي أول سورة نزلت على الإطلاق، أما (المدثر) فهي أول إيذان بإعلان الدعوة من الله.
«قُمْ فَأَنذِرْ» قال الرازي: في قوله «قُمْ» وجهان: قم من مضجعك، وقم قيام عزم وتصميم] [٤]. ويتسع المعنى لقيام الجهاد والتغيير والثورة لوصفه تعالى المتقاعسين والساكتين بالقاعدين في قوله «وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً» [النساء: ٩٥]، وهكذا في مواضع أخرى من القرآن [٥]. والإنذار
والتحذير من عواقب الضلال والانحراف إنه من أهم أهداف الحركة الرسالية الأصيلة ومنطلقاتها، لأنه يعكس في الحقيقة تحسس الطلائع للواقع الفاسد، ومن ثم تحركهم للتغيير إيمانا بالمسؤولية الربانية.
بلى؛ قد يكون الإنسان نفسه على الطريق السوي، ولكن مسؤوليته شاملة لا تنحصر في ذاته وحسب، بل هو بوصفه فردًا من المجتمع مسؤول عن واقعه، ليس من زاوية إنسانية ودينية فقط بل من زاوية واقعية أيضا، فإن تخلف مجتمعه وأمته يؤثر عليه شاء أم أبى، وإن
[١] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٨٦.
[٢] التبيان: ج ١٠، ص ١٧٦.
[٣] التبيان: ج ١٠، ص ١٧٦.
[٤] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ١٩٠.
[٥] المائدة: ٢٤، التوبة: ٨٦- ٤٦.