من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٢ - قم الليل إلا قليلا
أيضا، وتضطرب بمن عليها]
[١]، من هول ذلك اليوم، الأمر الذي يكشف عن عظمة الموقف ومدى رهبته، فما بالك بهذا الإنسان الضعيف في يوم أحداثه ترجف بالأرض والجبال؟! إنه يكون أدنى من ريشة في ريح عاصف يتقاذفها التيار الكاسح. إن تصور هذا الموقف والحضور عند هذه الحقيقة بالقلب يكفي وسيلة يقتلع الإنسان بها جذور الغرور بنفسه وقدرته في شخصيته، واتكاله على الدنيا وما فيها، ويتعرف عن طريقها على ربه وقدرته المطلقة، فيؤمن به وبرسالته بدل التكذيب كما هو شأن أولي النعمة المبطرين بها. إن الجبال الراسية والمتماسكة تستحيل يومئذ كذرات الرمل نتيجة الرجف الشديد المتتالي الذي تتعرض له «وَكَانَتْ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلًا» قال القمي
مثل الرمل]
[٢]، وفي مجمع البيان
أي رملًا سائلًا متناثراً عن ابن عباس، وقيل: المهيل الذي إذا وطأته القدم زَلَّ من تحتها، وإذا أخذت أسفله انهار أعلاه]
[٣]، وفي اللغة: انكثب الرمل
اجتمع وانتشر بعضه فوق بعض]
، وكل ما انصب في شيء فقد انكث فيه، والمهيل الذي يهال فيقع بعضه على بعض، يقال: أهال التراب: إذا هَدَّه من أساسه فانهار على بعضه منتثرا، ويسمى التراب الناعم الذي تجمعه الرياح في الصحراء كثيبًا، وجمعه كُثبان، ومن خصائصه أنه سريع وسهل الانهيار والانتشار والتطاير في الهواء. وإذا كانت الجبال الصخرية الراسية تستحيل كثيبا مهيلا فما بال الإنسان الضعيف عندما ترجف به الأرض؟ ولماذا يتحدى قدرة ربه؟!.
والعلاقة بين سياق السورة عن قيام الليل وبين الحديث عن مشاهد عذاب الآخرة هذه أن الخوف من أهوال ذلك اليوم يدفع المؤمنين إلى السعي من أجل الخلاص، ومن ثم ينفخ فيهم روح القيام بالليل. وإنها حقًّا
لَتَقُضُّ مضجع كل ذي لب وضمير حيين، إذ كيف تنام عينه وهو مطالب باقتحام هذه العقبات، وتجاوز أهوالها بنجاح؟!.
وثمة علاقة بين أمر الله للرسول صلى الله عليه واله بالصبر على ما يقوله المكذبون وبين كلامه عما أعد لهم من العذاب؛ وهي: أن عدم التصبر (الاستعجال) إنما يندفع إليه الإنسان بهدف الانتقام ورد الفعل، والمؤمن يصبر ولا يتعجل لأنه لا يخاف الفوت، ويعلم أن سوف يأتي اليوم الذي ينتقم الله (وكيله) له من أعدائه.
(١٩- ١٥) وإلى جانب التحذير من عذاب الآخرة يحذر الله المترفين وغيرهم من عواقب التكذيب التي تنتظرهم في الدنيا، وذلك من خلال التذكير بالسنن الثابتة في الحياة ومصير
[١] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٨٢.
[٢] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٩٢.
[٣] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٨٢.