من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٠ - إنا سمعنا قرآنا عجبا
الغامضة التي تحتجب وراء الكلمات الكلية لإخفاء الجهل والتناقض، أم في ثقافة البدائيين والشعراء؟ كلا ... وهذا ما دفع النفر من الجن إلى الإيمان بالقرآن ونبذ كل الأفكار والثقافات الأخرى، فهم وجدوه وحده الذي يهدي إلى الرشد. ومع أن للرشد معنى عامًّا يتسع لكثير من المفردات، فالقرآن يهدي إلى معرفة الحقائق العلمية، والسنن الطبيعية، والأنظمة الحكيمة التي أجراها الله في سائر الحقول الاجتماعية والسياسية والاقتصادية .. إلا أن أعظم الرشد الذي يهدي إليه هو التوحيد باعتباره سنام الهدى وقمة الرشد.
وقد أشار بعض من المفسرين إلى ذلك، قال الفخر الرازي «يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ»
إلى الصواب، وقيل إلى التوحيد. «وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً» أي ولن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك به، وهذا يدل على أن أولئك الجن كانوا مشركين] [١].
ولأن الهداية لا تتم بمجرد معرفة الحق بالضمير والعقل، بل لا بد من الشجاعة الكافية لنقد الذات، وتحدي الواقع المنحرف، وبالتالي تحمل مسؤولية الصراع ضد كل باطل، لذلك بادر الجن إلى الإيمان بالحق من جهة، ونبذ الباطل بعزيمة الإيمان من جهة ثانية.
«فَآمَنَّا بِهِ» والإيمان بالقرآن يعني رفضا قاطعا للقوى الأخرى غير الله، وعزما على المضي قدما في طريق التوحيد أنى كانت التحديات .. وقد فهم النفر من الجن الإيمان بهذه الكيفية وعزموا على رفض الأنداد المزعومين فقالوا «وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً»، وهذا يعني الاستعداد لدخول الصراع، والاستقامة على الحق، وتقديم التضحيات من أجل الإيمان وقيمة التوحيد، وكذلك ينبغي أن يكون كل من يختار الحق، فالرشد غاية يجب أن يسترخص المؤمنون في سبيلها كل شيء، كما فعل السحرة (عند مواجهة عصا موسى) إذ ألقوا ساجدين، وتوجهوا إلى فرعون بخطاب الرفض والتحدي «فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا» [طه: ٧٢]، وقدموا أنفسهم قرابين في طريق ذات الشوكة، حيث قطع فرعون أيديهم وأرجلهم من خلاف، وصلبهم في جذوع النخل صبرا.
ونفي الجن القاطع المؤبد بأنهم لن يشركوا ربما يهدينا إلى وجود قوى تضغط عليهم باتجاه الشرك بالله بما قد يصل إلى حد الإكراه، مثلما أكره فرعون السحرة على السحر، وكما يُكِره الطغاةُ اليوم أشياعهم (من جنود وإعلاميين وهكذا) على ممارسة الظلم ضد الشعوب. ولأن أعظم الضغوط التي تمارس
وأخطرها هو ضغط التضليل عن الحق، والإيحاء بالشرك من خلال التربية الفاسدة والإعلام المضلل، فقد أعلن أولئك النفر المؤمنون أنهم لن يقبلوا التغرير بوجود الشركاء أو التشكيك في عظمة الله.
[١] التفسير الكبير للرازي: ج ٣٠، ص ١٥٤.