من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٦ - فاصبر صبرا جميلا
خروج معه عن الحكمة والصواب. قال أكثر المفسرين: هو الصبر الذي لا شكوى فيه على ما يقاسيه الرسول من أذى قومه، وتكذيبهم إياه فيما يخبر به من الآخرة. وما أعظم ما تعطيه هذه الآية بسياقها من روح الصبر والاستقامة والمقاومة للمؤمنين والمجاهدين في سبيل الله.
الثانية: تتصل بالكافرين الذين يستبعدون عذاب الله ووعده، وربما إلى حد التكذيب البتة. ولو بحثنا عن السبب وراء هذا الموقف من وعد الله فسنجده اعتمادهم على مقاييس الزمن الدنيوية في التقييم والنظر إلى المستقبل. ويعالج القرآن هذه العقدة بأمرين
الأول: السعي لتوعيتهم بالمقياس الحقيقي للزمان، حيث مقدار يوم واحد خمسين ألف سنة، مما يغير رؤيتهم المحدودة برؤية ربانية واسعة لو أنهم آمنوا واتبعوا الآيات «إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً» لمحدودية أفكارهم التي تتصور الزمان محدودا. أرأيت الطفل كيف يستبعد وعدا مدته ساعات؟ كذلك الكفار يرون وعد الله بعيدا لأن منهجية الرؤية ووسيلتها عندهم محدودة. أما المنهجية الربانية التي تتلاشى فيها الأرقام الزمنية لسعتها فإن ملايين السنين ليست بذات شأن حتى يكون أمدها بعيدا .. وكيف يكون ذلك والمؤمنون يطلعون بها على عالم الخلود؟! «وَنَرَاهُ قَرِيباً» لا فرق بين أجل الموت، أو النصر للمؤمنين، أو عذاب الكافرين في الدنيا، أو قيام الساعة ووقوع الآخرة
الثاني: التذكير بالوقائع والمشاهد التي ترافق وقوع وعد الله، الأمر الذي يهز النفس، ويلقي عنها حجبها وعقدها، ويجعلها ماثلة في وعيهم «يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ» قال القمي
الرصاص الذائب والنحاس]
[١]، وقيل
الزيت المغلي]
، وقيل
ما كان ذائبا من المعدنيات]
. «وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ» أي الصوف المتفرق، قال في التبيان
فالعهن الصوف المنفوش، وذلك أن الجبال تقطع حتى تصير بهذه الصفة]
[٢]، وزاد صاحب المجمع
وقيل: كالصوف الأحمر، وقيل: إنها تلين بعد الشدة، وتتفرق بعد الاجتماع]
[٣]. وعلق العلامة الطباطبائي بقوله
في هذه الآية وما قبلها تعليل للصبر، فإن تحمل الأذى والصبر على المكاره يهون على الإنسان إذا استيقن أن الفرج قريب][٤].
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٨٦، بحار الأنوار: ج ٧، ص ١٠٦.
[٢] التبيان: ج ١٠، ص ١١٦.
[٣] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٤٧.
[٤] تفسير الميزان: ج ٢٠، ص ٨.