من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٢٥ - فاصبر صبرا جميلا
اللامتناهي الذي سوف يعيشه الإنسان، لكي يمتد وعي الزمن لدينا من مقاييس اللحظات الحاضرة إلى آفاق الآباد المطلقة والمستقبل الذي لا ينتهي، وهناك نعيش حقيقة أنفسنا وحقيقة الظواهر المحيطة بنا. إن من يتخذ المقاييس الدنيوية معيارا في معادلة الزمن يظن أن مئة سنة شيئا كثيرا، ولكنه حين يطلع على الأفق الواسع للزمن عند الله حيث الحساب بمليارات السنين وحيث الخلود فإن المعادلة تختلف بالنسبة إليه حتى يكاد يرى وعد الله بالآخرة واقعا أمام عينيه .. فهؤلاء الملائكة يسبقهم الروح يعرجون خمسين ألف سنة إلى الله في الآفاق الواسعة، ولأنها حسب فهمنا الأرواح النورانية ذات القدرات الهائلة فإن عروجها ليس بحسابنا نحن في السرعة، بل بحساب لا يستوعبه عقل البشر .. ومع ذلك إن خمسين ألف سنة يعرجون فيها ليست عنده تعالى إلا كيوم واحد لا أكثر!.
«تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» والعروج عروجان: عروج مادي في آفاق الوجود، وعروج معنوي في آفاق القرب من الله، وليس لله مكان، تعالى أن يخلو منه مكان أو يحويه مكان، ومن هنا فإن عروج الملائكة والروح إليه عروج في القرب منه، قرب الفضيلة، ولا ينفي ذلك حقيقة عروجهم ماديًّا في منازل السماوات وإلى العرش، بل هذا العروج بذاته رمز للقرب المعنوي منه سبحانه، ومن هنا اختلفت الملائكة فمنهم من يعرج إلى السماء الرابعة، ومنهم من يعرج إلى العرش باختلاف فضلهم عند رب العالمين. أما الروح فهو أعظم من الملائكة، ولعله الخلق الذي يؤيد به الله ملائكته الكرام وأنبياءه وأولياءه الأبرار، ولعله سُمِّي جبريل ب- «الرُّوحُ الأَمِينُ» لكونه مؤيَّدا عليه السلام بالروح.
[٥- ٨] ومن فتح آفاق المتدبر على الزمن بالحديث عن العروج يعالج القرآن مسألتين
الأولى: تتصل بالداعية إلى الله، وهو يواجه تحديات الكفار بالرسالة، وبالضبط يواجه تحدي الزمن في الاستقامة على الحق، والاستمرار في الطريق حتى يفتح الله. فإن أكثر الناس قادرون على اتخاذ قرار الجهاد في سبيل الله، ولكن القليل منهم يقدرون على الاستقامة مع طول الأمد وتراكم التحديات المضادة.
وإنما يفتح القرآن آفاق المؤمنين على المعادلة الحقيقية للزمن الكوني، ويؤكد على أن الزمن الدنيوي ليس المقياس، وإنما معادلة الزمن تقاس باليوم الواحد الذي مقداره خمسون ألف سنة، كل ذلك ليسهل الاستقامة في أنفسهم، فلا يَعُدُّ واحدهم حتى الصبر سني عمره مجاهدا في سبيل الله شيئا كثيرا، بل يُعتبر عنده- أنَّى طال به الزمن وامتد- أياما قصيرة يصبر فيها على الأذى لتعقبه راحة طويلة، وهكذا جاء الحديث بعد بيان الزمن عن الصبر فقال ربنا «فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا» وهو الصبر الذي يكون لوجه الله، والبعيد عن أي ضعف أو هزيمة، والذي لا