من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٠ - وتعيها أذن واعية
للحساب مع تلك الأحداث الكونية الرهيبة لكي تتجلى لهم قدرة الله، وتتساقط عندهم كل الحجب والتبريرات هنالك، بل في الدنيا أيضا لمن يؤمن بالآخرة ويعي آياتها.
(١٥- ١٧) وبعد أن يصور لنا القرآن مشهدا من القيامة يؤكد أنها أعظم الوقائع التي تمر بالإنسان، لأنها تدمر الكائنات، وتسوق الإنسان إلى مصيره الأبدي «فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ» والتعريف بالألف واللام يعظمها في ذهن السامع، ويؤكد أن للإنسان معها عهدا أودعه الله في فطرته، فهي ليست نكرة للبشر السوي .. وإن في تسميتها (القيامة) بالواقعة يأتي للتأكيد باللفظ على كونها حقيقة لا بد من حصولها، فكون الشيء الواقعي في الغيب، ويفصل الإنسان عنه الزمن المستقبل لا ينفي أصل وجوده، وهذه مسلمة فطرية وعقلية، وكأن الآية تقول: إن تكذيبكم أيها البشر بالآخرة لن يغير شيئا فيها، ولا فيما يتصل بها من الأحداث، فهل يمنع تكذيبنا- مثلا- من تأثير نفخة إسرافيل في الأرض والجبال؟ كلا .. و يوصلنا كتاب الله بالغيب، إذ يضع أمامنا مشهدا آخر من مشاهد الواقعة وهو انشقاق السماء المحبوكة والمتينة الخلق إلى حد تكون فيه واهية كالخرقة البالية التي تصير رمادا أو هباء «وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ» المحبوكة التي لا فروج فيها ولا ضعف «فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ» أي شديدة الضعف وقليلة التماسك، ليس في هيكلها وحسب بل في جزئيات كيانها، مما يجعلها تتبدل شيئا آخر كالمهل أو الدهان كما قال الله «يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ» [إبراهيم: ٤٨]، وهكذا لا تبقى السماء سقفا محفوظا يمنع عن الأرض النيازك والأخطار. ومشهدا آخر عظيم هو منظر الملائكة على الأرجاء والملائكة الثمانية العظام الذين يحملون عرش الله فوقهم. «وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا» أي أطرافها ونواحيها، قالوا: إن الضمير عائد إلى السماء التي تشقق وتصير قطعا وأجزاء على كل واحدة منها ملائكة كثيرون. «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ» من أعظم ملائكة الله، وربما أعظمهم على الإطلاق، ول- (فوقهم) تفسيران
الأول: فوقهم بالمسافة.
الثاني: فوقهم بالمرتبة، فالثمانية يحملون العرش من أركانه ومعهم من الملائكة من يحملونه من أطرافه الأخرى، أو أن الثمانية لهم الرئاسة على بقية الملائكة فهم فوقهم مرتبة، وبهذا نجمع بين الروايات القائلة: بأنهم ثمانية، والقائلة: بأنهم أكثر من ذلك.
ولقد خاض بعض المفسرين في مواضيع لا داعي لها، واختلفوا مع بعضهم في عدد الملائكة وأشكالهم، وهي بحوث لم نُكلَّف بها، بل توجه أئمة الهدى عليهم السلام للرد على الأفكار المادية التي
حاول أصحابها إثبات معتقداتهم التجسيدية والتشبيهية من خلال الفهم الخاطئ لهذه الآية الكريمة، حيث شبهوا عرش الله بعروش السلاطين التي يتربعون عليها. تعالى الله عما