من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩١ - وتعيها أذن واعية
يصفون علوا كبيرا. قال سلمان المحمدي
سأل بعض النصارى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال له: أَخْبِرْنِي عَنْ رَبِّكَ أَيَحْمِلُ أَوْ يُحْمَلُ، فَقَالَ عَلِيٌّ عليه السلام
: إِنَّ رَبَّنَا جَلَّ جَلَالُهُ يَحْمِلُ وَلَا يُحْمَلُ.
قَالَ النَّصْرَانِيُّ: وَكَيْفَ ذَلِكَ وَنَحْنُ نَجِدُ فِي الْإِنْجِيلِ
وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ]
، فَقَالَ عَلِيٌّ عليه السلام
إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَحْمِلُ الْعَرْشَ وَلَيْسَ الْعَرْشُ كَمَا تَظُنُّ كَهَيْئَةِ السَّرِيرِ وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ مَحْدُودٌ مَخْلُوقٌ مُدَبَّرٌ وَرَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ مَالِكُهُ، لَا أَنَّهُ عَلَيْهِ كَكَوْنِ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ بِحَمْلِهِ فَهُمْ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ بِمَا أَقْدَرَهُمْ عَلَيْهِ. قَالَ النَّصْرَانِيُّ: صَدَقْتَ رَحِمَكَ الله]
[١]. وقال الإمام الرضا عليه السلام
الْمَحْمُولُ مَا سِوَى الله ولَمْ يُسْمَعْ أَحَدٌ آمَنَ بِالله وعَظَمَتِهِ قَطُّ، قَالَ فِي دُعَائِهِ يَا مَحْمُولُ،
قَالَ أَبُو قُرَّةَ فَإِنَّهُ قَالَ «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ»
وقَالَ
«الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ» فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام
الْعَرْشُ لَيْسَ هُوَ الله والْعَرْشُ اسْمُ عِلْمٍ وقُدْرَةٍ وعَرْشٍ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ، ثُمَّ أَضَافَ الْحَمْلَ إِلَى غَيْرِهِ خَلْقٍ مِنْ خَلْقِهِ لِأَنَّهُ اسْتَعْبَدَ خَلْقَهُ بِحَمْلِ عَرْشِهِ وهُمْ حَمَلَةُ عِلْمِهِ] [٢].
والعرش حقيقة وهو رمز الهيمنة والسلطان والعلم، والموضع الذي يتجلى فيه علم الله وقدره وقضاؤه وأمره للملائكة، الذين هم بدورهم يُمضون ما يؤمرون به، ولعل أهم حكمة لخلق العرش أنه تعالى قد أوكل إلى الملائكة إنفاذ مقاديره وتدبيره للخلق، وهو الذي لا يحده مكان ما كان لهم أن يتصلوا به، وكيف يتصل المخلوق المحدود بالخالق لولا خلق الأسماء والأشياء كالبيت الذي يكون مركز عبادته، والعرش الذي يكون مركز إدارته للكائنات وهيمنته.
وقد أولت بعض النصوص الحملة في خير خلق الله قال الإمام الصادق عليه السلام
حَمَلَةُ الْعَرْشِ والْعَرْشُ الْعِلْمُ ثَمَانِيَةٌ أَرْبَعَةٌ مِنَّا وأَرْبَعَةٌ مِمَّنْ شَاءَ الله]
[٣]، وفي حديث آخر
حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثَمَانِيَةٌ: أَرْبَعَةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَأَرْبَعَةٌ مِنَ الْآخِرِينَ، فَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ مِنَ الْأَوَّلِينَ فَنُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى عليهم السلام، وَأَمَّا الْأَرْبَعَةُ مِنَ الْآخِرِينَ فَمُحَمَّدٌ وَ عَلِيٌّ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، وَمَعْنَى
«يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ» [غافر: ٧]
يَعْنِي الْعِلْمَ]
[٤]. وإذا كان الظاهر أن الملائكة هم الذين يحملون العرش فإن الباطن هو أولئك الذين خُلِقت
الملائكة لأجلهم وهم الصفوة من عباد الله. أليس قد خلق الأشياء لأجل الإنسان، وأي إنسان أعظم من الأنبياء والأوصياء؟.
[١٨] وأعظم مشهد في القيامة هو عرض الناس للحساب والجزاء، لأنه أشد رهبة،
[١] بحار الأنوار، ج ٣، ص ٣٣٤.
[٢] الكافي: ج ١، ص ١٣٠.
[٣] الكافي: ج ١، ص ١٣٢.
[٤] بحار الأنوار: ج ٥٥، ص ٢٧.