من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٩ - وتعيها أذن واعية
اللهِ تَعَالَى فِي فَكَاكِ رِقَابِهِمْ]
[١]، وكل ذلك ينعكس على سلوكهم في الحياة.
ولقد جاءت الآية: (١٢) مؤكدة على دور الآذان الواعية بين الحديث عن تاريخ الأقوام السالفة (الآيات: ٤- ١١)، والحديث عن الآخرة (الآيات: ١٣- ١٨) في هذا الدرس وامتدادها حتى الآية: (٣٧) في الدرس اللاحق، لأنها وحدها القادرة على استيعاب مواعظ التاريخ وآياته، والإيمان بحديث الوحي عن الآخرة ووعيه، فحقائق الغيب- سواء غيب التاريخ أو غيب الآخرة- حقائق كبيرة، بحاجة إلى أذن مرهفة تنفذ بسمعها من الآيات إلى ما تهدي إليه، وقلب واسع كبير يحتمل أن يكون وعاء لها.
«فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ» ويبدو أنها النفخة الثانية لأنها التي يقوم فيها الناس للحساب والجزاء، قال تعالى «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ» [الزمر: ٦٨]، وما يؤكد أنها الثانية أن السياق هو سياق الحديث عن الجزاء، مما يستلزم الكلام عن النفخة الثانية التي يكون الجزاء بعدها. وهو لا يحتاج حتى يهلك الأحياء بالنفخة الأولى ويبعثهم قياما بالثانية إلى أكثر من مجرد نفخة واحدة، لما أعطاه الله من القدرة العظيمة. قال العلامة الطباطبائي
وفي توصيف النفخة بالواحدة إشارة إلى مضي الأمر، ونفوذ القدرة، فلا وهن فيه حتى يحتاج إلى تكرار النفخة] [٢].
ويا لها من نفخة صاعقة مخيفة، لا تذهب بالأنفس وحسب بل تزلزل الكائنات وكأنها ترليونات الترليونات من القنابل النووية التي تنفجر في دفعة واحدة، فتدمر الكون ونظامه، بحيث تخرج الأرض عن مدارها، وتستأصل الجبال الراسية من فوقها، ثم يدكها الله ببعضها «وَحُمِلَتْ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً» وأصل الدك هو الهدم، يقال: دك الجدار إذا هدمه وسواه مع الأرض، ولا ندري هل يضرب الله أجزاء الأرض والجبال ببعضها بتركيز الجاذبية تركيزا هائلا بين أجزائهما، أو برفعها تماما مما يسبب تلاشيها، أم يضرب الجبال بالأرض والعكس، أم يرطمهما معا بكوكب آخر؟ المهم أنهما يتداكان .. وفي الآية إشارة إلى حقيقة علمية جيولوجية: إذ لم يقل الله «وَحُمِلَتْ الأَرْضُ» فقط، باعتبار أن الجبال جزء منها، وذلك لأنها في الواقع كيانات شبه مستقلة، جعلها الله فيها، فنصبها وأرساها أوتادا للأرض [٣]، فهي
كما الشجرة لها هيكلها وجذورها الضاربة في التخوم .. كما نهتدي إلى أن الأرض تكون مستوية بالدك يوم القيامة، ولذلك خص القرآن الجبال بالذكر لأنها الزوائد المرتفعة على سطحها. و يتزامن بعث الناس
[١] نهج البلاغة: خطبة: ١٩٣.
[٢] تفسير الميزان: ج ١٩، ص ٣٩٧.
[٣] راجع الآيات: سورة الغاشية: آية ١٩، سورة النازعات: آية ٣٢، سورة النبأ: آية ٧.