من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٣ - إن الكافرون إلا في غرور
[١٨] ولكن القرآن لا يكتفي بالمستقبل الغائب دليلا على حقائقه بل ويستدل عليها بالشواهد الظاهرة، لكيلا يبقى لبشر ما يبرر له الكفر والزيغ، ولتكون لله الحجة البالغة، فما هو الدليل على عذاب الله وقدرته على صنع ما يشاء؟.
لندرس التاريخ البشري فهو خير معلم للإنسان، حيث يهديه إلى سنن الله وآيات معرفته، ونحن حينما نتتبع حوادثه فسنجد الكثير من الأمم والمجتمعات التي ذهبت ضحية كفرها وفسوقها عن أمر الله، فذاقت ألوانا من العذاب لا يستوعبها فكر بشر لهولها وفظاعتها. «وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» فأين قرى لوط المؤتفكة؟ وأين فرعون وقومه؟ إنك لن تجد غير إجابة واحدة: إنهم دحروا وبادت حضاراتهم لأنهم لم يخشوا ربهم ولم يتبعوا رسالاته ورسله. «فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ» فكيف كان العذاب المنكر الذي لم يكونوا يحتسبوه والذي نزل بساحتهم من عند الله سبحانه؟! و يحتمل هذا المقطع معنى آخر غير المنكر الفظيع إذا تصورنا القرآن يتساءل: كيف إذن تنكرون، والشواهد ظاهرة، والآيات قائمة؟.
[١٩] ويلفت القرآن الأنظار والأفكار إلى مشهد الطيور وهي تطير في الفضاء، ليثير عقولنا نحو دراسة هذه الظاهرة التي تحكي تذليل الله السماء للطيور برحمته، وتكشف عن مئات القوانين العلمية التي تفيد الإنسان في حياته وحضارته. فلماذا لا يتساءل ما هي القوانين الفيزيائية التي يمكن في ضوئها الطيران؟ ولماذا لا يبحث عن الأسباب والعوامل التي تجعل الطائر يسبح في الفضاء دون أن يقع على الأرض؟ وأهم من ذلك كله لماذا لا يحاول أن يتصل قلبه بروح هذا العالم ليراه آية واضحة من آيات ربه العظيم؟.
«أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ» والصف هو بسط الجناحين والقبض هو جمعهما إلى الجسم، ولعل في الآية إشارة بهاتين الكلمتين إلى نوعين من الطيور: أحدهما صفه أكثر من قبضه، والآخر العكس، وإلى أيهما نظر الإنسان تجلت آيات رحمة الله، ولكنها أظهر عند رؤية ما يصفُّ منها، وربما لذلك تقدم ذكره على الذي يقبض .. وإنما يكون طيران الطيور مظهرا لرحمة الله لأنه تعالى لو لم يذلل لها الفضاء بالنظام الذي يسمح لها بالطيران لما كانت تجد سبيلا إلى ذلك فهو الذي يمسكها، ولأنها بالطيران تستطيع الهرب من الأخطار. ولعل كلمة «فَوْقَهُمْ» في الآية تثير الإنسان نحو التحدي فيسعى ليكون قادرا على الطيران، وما كان الإنسان ليكتشف أسرار الطيران لو لم يكن يدرس هذه الظاهرة الكونية ويطلع على قوانينها فإذا به يصنع مختلف وسائل الطيران.
«إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ» فهو يعطي كل خلق من خلقه القدرات والصفات ما يتناسب معه ومع دوره في الحياة، حتى يكون كل شيء في نفسه وحسب هدفه كاملا قد منحه ربه كل ما يحتاج،