تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٧٦ - هل العاصي كافر؟
فمنهم من قال بأنّه وجد قبله جمع من الكافرين. و يؤيّده ما روي عن أبي بريدة [١] إنّه قال «إنّ اللّه تعالى خلق خلقا من الملائكة، ثمّ قال لهم: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فقالوا: لا نفعل ذلك. فبعث اللّه عليهم نارا فأحرقتهم. و كان إبليس من أولئك الذين أبوا».
و منهم من قال: معنى الآية إنّه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك- و هو قول الأصمّ.
و منهم من قال: إنّ هذا من باب إضافة فرد من أفراد الماهيّة إلى تلك الماهيّة، و صحّة هذه الإضافة لا تقتضي وجود تلك الماهيّة كما إنّ الحيوان الذي خلقه اللّه أوّلا يصدق عليه إنّه فرد من أفراد الحيوان- لا بمعنى إنّه واحد من الحيوانات الموجودات في خارج الذهن، بل بمعنى إنّه واحد من أفراد هذه الحقيقة، أعمّ من أن يكون الأفراد محقّقة أو مقدّرة.
و الحقّ عندنا إنّ إبليس أوّل من كفر باللّه؛ و أوّل من سنّ كلّ كفر و بدعة و معصية وقعت في العالم او سيقع إلى يوم القيامة، و هذا رأي الأكثرين.
ثمّ إنّه هل هو أكفر الكفرة و أعند المنافقين، أم لا؟ ففيه تأمّل.
ثمّ على تقدير أنّه أكفر الكفرة- هل هو أشدّ الكفّار عذابا يوم الآخرة، أم لا؟
ففيه أيضا موضع تأمل ٢ من ذي بصيرة.
[هل العاصي كافر؟]
و اعلم إنّ المعصية عند أصحابنا الإماميّة و عند المعتزلة و الأشاعرة لا توجب الكفر، و أمّا عند الخوارج: فكلّ معصية كفر، و هم تمسّكوا بهذه الآية، قالوا: إنّ اللّه كفّر إبليس بتلك المعصية الواحدة، فدّل على أنّ كلّ معصية كفر.
[١] في تفسير الفخر الرازي (١/ ٤٥٢): «عن أبي هريرة». و نسب الطبري هذا القول إلى ابن عباس (تفسير الطبري: ١/ ١٨٠).