تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٤١ - فصل في ترهيب علماء السوء
إذ المغرور يظنّ إنّه مشغول بفرض دينه، و ليس يدري إنّ الاشتغال بفرض الكفاية قبل الفراغ عن فرض العين معصية.
هذا لو كانت نيّته صحيحة كما قال، و قد قصد بالتفقّه وجه اللّه، و أما غروره من حيث العلم فحيث اقتصر على علم الفتاوى و ظنّ إنّه علم الدين، و ترك علم كتاب اللّه و سنّة رسوله و ترك أيضا علم تهذيب [الأخلاق] و ترك الفقه عن اللّه بإدراك جلاله و عظمته، و هو العلم الذي يورث الخوف و الهيبة و الخشوع، و يحمل على التقوى.
فتراه آمنا من اللّه، مغترّا به، متّكلا على أنه لا بدّ أن يرحمه، فإنّه قوّم دينه، و إنّه لو لم يشتغل بالفتاوى لتعطّل الحلال و الحرام، فقد ترك العلوم التي هي أهمّ، و هو غافل مغرور، و سبب غروره ما سمع في الشرع من تعظيم الفقه، و لم يدر انّ ذلك الفقه هو الفقه عن اللّه، و معرفة صفاته المخوّفة و المرجوّة، ليستشعر القلب بلازم التقوى، إذ قال اللّه تعالى: فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ [٩/ ١٢٢].
و الذي يحصل به الإنذار غير هذا العلم، فإنّ مقصود هذا العلم حفظ الأموال بشروط المعاملات، و حفظ الأبدان و بالأموال و بدفع القتل و الجراحات. و المال في طريق اللّه آلة، و البدن مركب. و إنّما العلم المهمّ هو معرفة سلوك الطريق و قطع عقبات القلب التي هي الصفات المذمومة. فهي الحجاب بين اللّه و بين العبد، فإذا مات ملّوثا بتلك الصفات كان محجوبا عن اللّه.
فمثال في الاقتصار على علم الفقه مثال من اقتصر من سلوك طريق الآخرة على علم حرز الراوية و الخفّ. و لا شك في أنّه لو لم يكن لتعطّل الحجّ، و لكن المقتصر عليه ليس من الحجّ في شيء.
و من هؤلاء من اقتصر من علم الفقه على الخلافيّات، و لم يهمّه إلّا طريق المجادلة و الإلزام و إفحام الخصوم و دفع الحقّ لأجل الغلبة و المباهاة، [فهو] طول الليل