تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٨ - فصل مشرقي فضل هذه الامة على بني إسرائيل
إلى قوله: ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ [٦/ ٦٢- ٦٣] و قوله: وَ لَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ [فِي الْأَرْضِ] وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ [٧/ ١٠] و قوله: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها [٨/ ٥٣] و هذا صريح و قوله: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ [١٤/ ٢٨] إلى غير ذلك من دلائل النعمة العامّة، و شواهد الرحمة الواسعة التي وسعت كلّ شيء من غير اختصاص بأهل الايمان.
و أمّا حديث العذاب الدائم و الخلود في النار للكفّار فقد مضى لذلك ما فيه كفاية للمستبصر، و شكاية للمحجوب المستنكر.
فصل مشرقيّ [فضل هذه الامّة على بني إسرائيل]
اعلم إنّ في الآية أشعارا لطيفا بانحطاط درجة هؤلاء المخالفين من أهل الكتاب من منازل المحبّين و المقرّبين، حيث خاطبهم اللّه بذكر النعمة و استمالهم و جذب قلوبهم بهذه الملاذّ الدنيويّة و المقاصد النفسانيّة كإنزال المنّ و السلوى لهم في التيه، و تظليل الغمام عليهم، و تفجير العيون الإثنا عشرية، و اعطاءهم الحجر الذي كرأس الرجل يسقيهم ما شاءوا من الماء متى أرادوه، فإذا استغنوا عن الماء رفعوه، فاحتبس، و استنقاذهم ممّا كانوا فيه من البلاء من فرعون و قومه، و تخليصهم من العبودية، و تنجيتهم من الغرق، و جعلهم ملوكا بعد أن كانوا عبيدا لآل فرعون و القبط، و ايراثهم أرضهم و ديارهم كما قال: وَ أَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ [٤٠/ ٥٣] و اعطائهم عمودا من نور ليضيء لهم الليل، و كان رءوسهم لا تتشعّث، و ثيابهم لا تبلى.
و هذه كلّها من النعم الدنياوية، و لو كانوا من أهل القلوب المنورة بأنوار المحبّة و المعرفة لما احتاجوا في تعلّم مسالك الدين و الاهتداء بهدى المؤمنين إلى