تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٧٢ - قوله عز اسمه سورة البقرة(٢) آية ٤٠
من حسن الجزاء و سعادة المسرى، ثمّ حذّرهم و رهّبهم عن التعرّض لما يوجب سخطه، و يحجب عن رحمته من إنكار الحقّ و كتمانه، و تلبيسه بالباطل أو ترويج الباطل و إبرازه في صورة الحقّ لاتبّاع الهوى و طلب العاجلة و ترك الآجلة.
فالكلام من هذه الآية إلى أوائل الجزء الثاني مسوق مع طائفة أهل الكتاب و متكلّمي اليهود و النصارى، احتجاجا عليهم و إنذارا لهم على أبلغ وجه و آكده.
و من تأمّل في تضاعيف ٦٠ ما ذكر في هذه الآيات من الإشعار بفنون نعم اللّه العامّة و الخاصّة لطائفة أهل الكتاب، ثمّ إردافها بالترغيب البالغ بقوله: وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ مقرونا بالترهيب البالغ بقوله: وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً- إلى آخر الآية- [علم إن هذا هو النهاية في حسن الترتيب لمن يريد الدعوة و تحصيل الاعتقاد في قلب المستمع] [١].
و لنرجع إلى تفسير الألفاظ:
يا بَنِي إِسْرائِيلَ: يا أولاد يعقوب. الابن و الولد و النسل و الذريّة متقاربة المعاني، إلّا إن «الابن» للذكر، و «الولد» يقع على الذكر و الأنثى و «النسل» و «الذريّة» يقعان على جميع ذلك ٦١. و أصل «ابن» من «البناء»، و هو وضع الشيء على الشيء، لأنّه يبنى على الأب لأنّه الأصل و الابن فرع له منسوب إليه، كما ينسب المصنوع إلى صانعه. فيقال: «أبو الحرب» و كأنّ إطلاق الأب على العلّة الموجدة و الابن على المعلول في بعض ألسنة القدماء من هذه الجهة لأن العلّة الموجدة للشيء هي أصل وجوده، و وجود المعلول فرعه، فكانوا يسمّون المبادي بالآباء، يقولون للباري جلّ مجده: «أب الآباء» أعني علّة العلل، لا بالمعنى الذي زاغت النصارى لأجل ذلك و ضلّت أفهامهم من قول المسيح عليه السّلام: «إنّي ذاهب الى أبي و أبيكم» أي: ربّي و ربّكم.
[١] الاضافة من تفسير الفخر الرازي: ١/ ٤٧٨.