تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٠٠ - إشارة مشرقية
تستأنس النفس و تطمئنّ بتلك الصور العمليّة و العقليّة و تجد بها قرارا، لأنّ أصلها ايضا من جنّة اللّه تعالى و بتلك الاستفادة يضيء لها طريق الصراط وقت ذهابها إلى معادها و يخف حسابها، و تثقل موازينها.
فقد تبيّن الآن إنّ البشر بتقدير الابتداء و مقام الإباء فوق العقل و الطبع، لكنّهم اليوم محبوسون تحت الطبيعة مقيّدون بالعقل العملي و خلاصهم يكون عند إطلاقهم عن وثاقهم و خروجهم عن قيد العقل، و ليس يخلصون عن قيد العقل إلّا حين يخرجون من سجن الطبع و الطبيعة. و هذه معان منغلقة يفتحها الشرح (ظ: الشرع) للمستحقّين، و إنّها محرّمة على الجاهلين.
ثمّ سئل مسألة ثانية هي: إنّا لأي شيء جئنا إلى هذا العالم، بعد أن كنّا مغبوطين؟
فأجاب: اعلم إنّ مجيئنا إلى هذا العالم لم يكن باختيارنا و إرادتنا، لكن بالقهر جئنا، و بالقهر نمسك، و بالقهر نخرج، و إنّا جئنا للتمحيص و التطهير لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ الْكافِرِينَ [٣/ ١٤١] و طهارة النفس إنّما تكون بالعمل الشرعي و العلم الإلهي، و بهذين تتمّ الطهارة و التوجّه إلى المعاد، و كما إنّ طهارة الجسد يكون بالماء او بالتراب عند عدم الماء، كذلك طهارة النفس بالعلم الذي هو بمنزلة الماء، و العمل الذي هو بمنزلة التراب، فكلّ من أتى بالعمل الشرعي حتّى يصل إلى العلم الإلهي، فيعلم حقيقته، و يعرف نفسه، فإنّه يخلص عند مفارقته هذه الدنيا، التي هي سجن المؤمن و جنّة الكافر.
إشارة مشرقيّة
و اعلم إنّ حكاية هبوط العقل الإنساني و النفس الآدميّة من عالم القدس إلى موطن الطبيعة الجسمانيّة ممّا كثرت في مرموزات الأنبياء عليهم السلام، و إشارات الأولياء و الحكماء.