تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٣ - جنة آدم أ هي الجنة الموعودة، أم غيرها؟
الثالث إنّ إبليس لمّا امتنع من السجود لعن، فما كان يقدر مع غضب اللّه عليه على أن يصل إلى جنّة الخلد.
أقول: كما استحال عقلا أن يدخل إبليس بعد طرده و لعنه الجنّة الآخرة، كذلك استحال دخوله في الجنّة السابقة، إلا إنّ العلماء ذكروا كيفيّة دخوله إنّه على سبيل الاختلاس و الاجتياز في أوقات قليلة نادرة، كسارق يريد أن يدخل دار السلاطين و يختطف منها شيئا، و لذا قالوا: و يجوز أن يكون وسوسة إبليس من خارج الجنّة من حيث يستمعان كلامه.
الرابع: إنّ الجنّة التي هي دار الثواب لا يفني نعيمها، لقوله تعالى أُكُلُها دائِمٌ [١٣/ ٣٥] و قوله: عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ [١١/ ١٠٨] أي غير مقطوع [فهذه الجنّة لو كانت هي التي دخلها آدم] [١] فلم يخرج منها آدم و زوجته- لكنهما قد خرجا منها.
أقول: هذا كالوجه الأوّل و يرد عليه شبه ما مرّ، و التحقيق الذي عليه التعويل إنّ الدارين واحدة بالذات، متغايرة بالاعتبار، و كذا جميع بدايات المقامات، بالقياس إلى نظائرها من النهايات، فعليه يحمل أقوال أهل المعرفة و اختلافهم.
و أما أهل النكرة و الحجاب، فمنهم من قال: إنّ هذه الجنّة التي خرج منها آدم كانت في الأرض- لا في السماء- و هو قول أبي القاسم البلخي، و أبو مسلم الإصفهاني، و به قال بعض أصحابنا، فحملوا الإهباط على الانتقال من بقعة، إلى بقعة كما في قوله: اهْبِطُوا مِصْراً [٢/ ٦١].
و ربما عيّن و قيل: «إنّه بستان كان بأرض فلسطين. أو بين فارس و كرمان- خلقها اللّه امتحانا لآدم» و حمل الإحباط على الانتقال منه إلى أرض الهند.
و استدلّ على ذلك بأنّه لا نزاع في أنّ اللّه خلق آدم عليه السّلام في الأرض، و لم
[١] الاضافة من تفسير الرازي.