تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٨٢ - جنة آدم أ هي الجنة الموعودة، أم غيرها؟
متعلّق الوجود بالمادّة الظلمانيّة، مشتملا على أمثلة ما في العالم.
و قد صرّح صاحب الفتوحات المكيّة [١] في الباب الحادي و العشرين و ثلاثمائة من كتابه بأنّ هذا البرزخ غير الأوّل. و يسمّى الأول بالغيب الإمكاني. و الثاني بالغيب المحالي. لإمكان ظهور ما في الأوّل في الشهادة و امتناع رجوع ما في الثاني إليها إلّا في الآخرة.
و قليل من يكاشفه بخلاف الأوّل. و لذلك يشاهد كبراؤنا [٢] و يكاشف البرزخ ٩ الأول، فيعلم ما يريد أن يقع في العالم الدنياوي من الحوادث، و لا يقدر على مكاشفة أحوال الموتى»- انتهى. [٣] و احتجّوا على المغائرة بينهما أيضا بوجوه:
أحدها: إنّ هذه الجنّة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنّة الخلد و كان من دخلها لم يخرج منها، لقوله تعالى: وَ ما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ [١٥/ ٤٨] و قد خرج آدم و زوجته منها، فليست هي بجنّة الخلد.
أقول: هذا ضعيف لأنّ ذلك إنّما يكون إذا استقّر أهل الجنّة فيها للجزاء و الثواب و الوصول إلى الغاية و النهاية، فأمّا قبل ذلك فإنّ كلّ شيء هالك إلّا وجهه.
الثاني: إنّ آدم لو كان في جنّة الخلد لمّا لحقه الغرور من إبليس بقوله:
هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى [٢٠/ ١٢٠] و لمّا سمع قوله ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ [٧/ ٢٠].
أقول: استحالة ذلك في بداية الأمر و قبل خروج النفس من القوّة إلى الفعل ممنوع، فإنّ الإنسان ما لم يقع في دار التكليف و الابتلاء فهو بعد سريع القبول للوقائع.
[١] الفتوحات المكية: ٣/ ٧٨.
[٢] المصدر: كثير منا.
[٣] راجع تفسير الفخر الرازي: ١/ ٤٥٤.