تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٦٩ - فصل في تحقيق الحق في كيفية المفاضلة بين الملك و البشر
و كما إن أوّل الأرواح العقليّة من لا واسطة في الشرف بينه و بين اللّه، كذلك آخر الأرواح النبويّة من لا واسطة بينه و بين اللّه، كما
قال صلّى اللّه عليه و آله: «لي مع اللّه وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل»
و هذا لا ينافي كون جبرئيل او غيره من الملائكة معلّما له في بعض الأحوال، لما علمت إن الإنسان ذو نشآت متفاوتة.
فجميع ما ذكروه من الدلائل الدالّة على تفضيل الملائكة على البشر حقّ و صدق، و لا ينافي كونه أشرف منهم في آخر أمره، و حقّ المقام أن يقع المفاضلة بين الملك و بين آخر مقام الإنسان، و أن يعتبر مع كل صنف من الملك صنف من الناس الذين يكونون بإزائهم، و يقعون في عالمهم.
و كما إن الملائكة أنواع كثيرة- بعضهم ملائكة العلوم، و بعضهم ملائكة الأعمال. و ملائكة الأعمال بعضهم ملائكة الجنّة و الرحمة، و بعضهم ملائكة النار و العذاب كالزبانية- و لكلّ منهم منازل و مراحل كثيرة- فكذلك أصناف البشر بعضهم من أهل العلم و المعرفة و القرب، و بعضهم من أهل العمل. فمنهم مطيعين، و هم أصحاب الجنّات. و منهم عاصين، و هم أهل النار. و الكفرة بإزاء أهل العلم مخلّدة في الجحيم.
فإذا سئل عن التفاضل بين ملائكة الأعمال و أصحاب الأعمال من البشر فالفضل للملك، لأنّهم أقدر على الطاعات. و إذا سئل عن ملائكة العلوم و أهل الولاية و النبوّة من البشر فالفضل للأنبياء و الأولياء عليهم السلام لكونهم جمعوا بين العلم و العمل، و كانوا متّصفين بصفات الخلائق كلّها، متخلّقين بأخلاق اللّه، عارفين بجميع الأسماء، لأنّهم كانوا أوّلا في عالم المحسوسات و الجسمانيّات، ثمّ في عالم المتخيّلات و المثاليّات ثمّ في عالم الحقائق و المعقولات.
فلهم الجامعيّة الكبرى، فاستحقّوا للخلافة الإلهيّة مدّة في عالم الأرض لقوله:
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. ثمّ في عالم السماء «لولاك لما خلقت الأفلاك».