تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٦٥ - فصل في تحقيق الحق في كيفية المفاضلة بين الملك و البشر
يكون مكمّلا للنفوس.
و يجب أيضا أن لا يكون المتعلّق بالبدن سببا قريبا لتكميل النفوس المستعدة إلّا على سبيل الإعداد و التعليم البشرى، دون الإفاضة و التكميل العقلي، كالمعلّم من البشر إذا حاول التعليم يعدّ نفس المتعلّم لأن يقبل ما يلهمه المعلّم العقليّ الروحانيّ الذي هو عقل بالفعل، و يفيض عليه من عالم الغيب كماله الحقيقي.
و لو كان المتعلّق بالبدن ما دام كذلك سببا مفيضا على النفوس صورا عقليّة لكان متساوي النسبة إلى الكلّ، و كيف يكون من تعلّق ببدن خاص و تعمل بتوسّط آلاته و قواه، متساوي النسبة إلى جميع الخلائق أجمعين- حاضرهم و غائبهم، أوّلهم و آخرهم.
نعم- انتهاء النفوس الإنسانيّة يكون لا محالة إلى نفس شريفة هي أكملها و أقبلها للفيض العلوي العقليّ، ثمّ الإلهي؛ بحيث يكون- و هي بعد في عالم البدن- صارت متجاوزة بحسب قوّة انفعاله عن المبادي، بل عن البادي عن حدود النفوس إلى حدود العقول، بل إلى الطبقة العالية منهم- لا بما هي نفس، و لا حين ما هي في هذه الحيوة الدنيا- بل من حيث المقام العقلي الذي ستنقلب إليه بعد الخروج عن زيارة هذه المقابر الحسيّة.
و بالجملة- قد يكون من النفوس الإنسانيّة ما قد انقلبت باطنها إلى رتبة العقول صارت عقولا بالفعل، بمعن أنها متى خرجت من قالب هذا الأدنى وصلت إلى مقامها الأعلى.
و من هذه العقول الإنسانية ما هو أفضل الأفاضل، و مقامه أعلى المقامات العقليّة و قوّته القدسية أشرف القوى القدسيّة، يكاد زيت قوّته القدسية يضيء بنور ربّها و لو لم تمسسه نار العقل الفعّال، فلما مسّها صار نورا على نور- يهدي اللّه لنوره من يشاء- كما قال جلّ اسمه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً