تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٥٢ - المعنى
المعنى:
و اعلم انّ من عادة اللّه الرحيم بعباده إذا ذكر و عيدا عقّبه بغده لئلّا ييئس عباده من رحمته، و إذا ذكر آية رجاء عقّبها بآية الخوف لئلّا يأمن عباده من مكر اللّه. فهيهنا لمّا ذكر أحوال كفرة أهل الكتاب و ما نزل بهم من العقوبة أخبر بما وعد للمؤمنين من كل طائفة من الثواب الجزيل و الأجر العظيم، دالّا على أنّه سبحانه كما يجازي المسيء بإساءته يكافئ المحسن بإحسانه، كما قال تعالى: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [٥٣/ ٣١] فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا.
و اختلفوا في المراد منهم [١]. فقال قوم: هم الذّين آمنوا بعيسى عليه السّلام، ثمّ لم يتهوّدوا و لم يتنصّروا و لم يتصبّئوا، و انتظروا خروج محمّد صلّى اللّه عليه و آله.
و قيل هم طلّاب الدين، منهم: حبيب النجّار، و قسّ بن ساعدة، و زيد بن عمرو بن نفيل، و البراء الشني، و أبو ذر الغفاري، و سلمان الفارسي، و بحيرا الراهب، و وفد النجاشي. آمنوا بالنبي صلّى اللّه عليه و آله قبل مبعثه. فمنهم من أدركه و تابعه، و منهم من لم يدركه.
و قيل: مؤمنوا الأمم الماضية. و قيل: هم المؤمنون من هذه الامة.
و قال السدّي: هو سلمان الفارسي و أصحابه النصارى، الذين كانوا [ظ:
كان] قد تنصّر على أيديهم قبل مبعث الرسول، و كانوا قد أخبروه بأنّه سيبعث، و انّهم يؤمنون به إن أدركوه.
و سبب هذه الإختلاف قوله تعالى في آخر الآية: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فإنّ ذلك يقتضي انّ المراد من الايمان في أوّل الآية غير المراد به في آخرها و نظير هذا قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا [٤/ ١٣٦].
[١] مجمع البيان: ١/ ١٢٦.