تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٥ - فصل فيما ذكره الصابئون في تفضيل الملائكة على الأنبياء و ما أجاب به عنها الحنفاء و هي وجوه ص
الترتيب و التضادّ فقد لزم الاتّباع فأخبرونا ما رتبة الأنبياء بالنسبة إلى نوع الإنسان؟
و ما رتبتهم بالنسبة إلى الملك و الجنّ و سائر الموجودات؟
ثمّ ما مرتبة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عند الباري سبحانه؟ فإنّ عندنا الروحانيّات أعلى مرتبة من جميع الموجودات، و هم المقرّبون في الحضرة الإلهية، و المكرّمون لديه.
و نراكم تارة تقولون: «إن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله متعلّم من الروحاني» و نراكم تارة تقولون:
«إنّ الروحانيّ يتعلّم من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله»؟
أجابت الحنفاء بأن الكلام في المراتب صعب، و من لم يصل إلى رتبة كيف يمكنه أن يستوفي الكلام [في] أقسامها، لكنّا نعرف إن رتبة النبي صلّى اللّه عليه و آله بالنسبة إلينا كرتبتنا بالنسبة إلى من هو دوننا في الجنس- كالحيوانات- و كما إنّا نعرف أسامي الموجودات و لا يعرفها الحيوانات، كذلك هم يعرفون حقائق الأشياء و وجوه المصالح في الحركات و حدودها و أقسامها، و نحن لا نعرفها.
و كما إن النوع الإنساني يستخدم الحيوانات و يملكها بالتسخير فالأنبياء ملوك الناس بالتدبير، و كما إن حركات الناس معجزات الحيوان كذلك حركات الأنبياء عليهم السلام معجزات الناس، فالحيوانات لا يمكنها أن تبلغ إلى الحركات الفكرية حتى تميّز الحقّ من الباطل، و لا الحركات القوليّة حتى تميّز الصدق من الكذب، و لا الحركات الفعليّة حتى تميّز الخير من الشرّ.
فكذلك قياس حركات الأنبياء عليهم السّلام لأنّ منتهى فكرهم لا غاية له و حركات أفكارهم في محالّ القدس ممّا تعجز عنها قوّة البشر حتى يسلم لهم مع اللّه وقت لا يسعهم فيه ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل.
و كذلك حركاتهم القوليّة و الفعليّة لا تبلغ إلى غاية انتظامها و جريانها على سبق الفطرة حركة كلّ البشر، و هم في الرتبة العلياء و الدرجة الأولى من درجات الموجودات كلّها، قد أحاطوا علما بما اطّلعهم الربّ تعالى على ذلك دون غيرهم