تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٤ - فصل فيما ذكره الصابئون في تفضيل الملائكة على الأنبياء و ما أجاب به عنها الحنفاء و هي وجوه ص
على الإنسان، و لا يطرأ على الملك، و ذلك تمييز آخر. فليكن في النفس النبويّة مثل هذا الترتيب.
و أما الكمال الذي تعرّضتم إنّما يكون كمالا للجسم المختار إذا كان اختيار المحرّك محمودا، و أمّا إذا كان مذموما من كلّ وجه صار الكمال نقصا، و بذلك يقع التضادّ بين النفس الخيّرة و الشريرة، حتّى يكون إحداهما في جانب الملكية، و الاخرى في جانب الشيطنة، فيحصل التضادّ المذكور، كما حصل الترتيب المذكور.
و أمّا ما ذكره المتكلّم الصابيّ من حدّ العقل «إنّه قوّة أو هيئة للنفس مستعدّة لقبول ماهيّات الأشياء مجرّدة عن الموادّ» فغير شامل لجميع العقول عنده و لا عند الحنيف، بل تعرّض للعقل الهيولاني دون سائر العقول- من العقل النظريّ، و العمليّ، و ما بالملكة، و الذي هو بالفعل، و الذي هو المستفاد، و الذي هو الفعّال للعلوم التفصيلية التي وجودها نفس معقوليّتها، و لا خلاف بينهم إنّ هذه العقول قد اختلفت حدودها و تباينت فصولها.
فأخبرني أيّها الحكيم- من أيّ عداد تعدّ عقلك أوّلا؟ هل ترضى أن يقال لك: «تساوت الأقدام في العقول حتّى يكون عقلك بالفعل و الاستفادة، كعقل غيرك بالقوّة و الاستعداد، بل و استعداد عقلك لقبول المعقولات كاستعداد عقل غبيّ غويّ لا يردّ عليه برادّة و لا ينفكّ الخيال عن عقله، كما ينفكّ «١» الحسّ عن خياله.
و إذا كانت الأقدام متساوية فما هذا الترتيب في الأقسام؟ و إذا ثبت ترتّبا في العقول فبالحقيقة أن ترتقي في الصعود إلى درجة الاستقلال و الإفادة، و تنزل في الهبوط إلى درجة الاستعداد و الاستفادة.