تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٣٤ - فصل احتجاجات القائلين بعفو بعض العصاة
و بقوله تعالى حكاية عن الخليل عليه السّلام: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [١٤/ ٣٦] بمثل البيان المذكور.
و مما يؤكّد دلالة هاتين الآيتين على هذا المطلب ما
روي إنّ النبي صلّى اللّه عليه و آله تلى قول إبراهيم: وَ مَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ و قول عيسى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ ثمّ رفع يديه و قال: «اللهم- امّتي، امتّي» و بكى. فقال اللّه:
«يا جبرئيل- اذهب إلى محمّد- و ربّك أعلم- فسله: «ما يبكيك؟» فأتاه جبرئيل عليه السّلام، فسئله. فأخبره رسول [اللّه] صلّى اللّه عليه و آله- قال:- فقال اللّه: «يا جبرئيل- اذهب إلى محمّد، فقل: إنّا سنرضيك في امّتك، و لا نسؤك»- رواه مسلم في صحيحه [١].
و مما يدلّ على ذلك قوله تعالى: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً* وَ نَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً* لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً [١٩/ ٨٥- ٨٧] أي المجرمون لا يستحقّون أن يشفع لهم إلّا إذا كانوا قد اتّخذوا عند الرحمن عهدا، فكلّ من اتّخذ عهدا عنده وجب دخوله في الآية، و صاحب الكبيرة اتّخذ عند الرحمن عهد التوحيد و الإسلام، فوجب أن يكون داخلا. و أمّا اليهود فنترك العمل بها في حقّه لضرورة الإجماع.
و من ذلك قوله تعالى في صفة الملائكة: لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى [٢١/ ٢٨] بيانه إنّ صاحب الكبيرة مرتضى عند اللّه من حيث إيمانه و توحيده، و كلّ من هو مرتضى عنده بحسب هذا الوصف صدق عليه إنّه مرتضى عنده، لأنّ مفهوم المطلق جزء مفهوم المقيّد، فمتى صدق المقيّد صدق المطلق، فثبت انّ المؤمن الفاسق مرتضى عند اللّه، فهو داخل في شفاعة الملائكة، و من دخل في شفاعتهم دخل في شفاعة النبي صلّى اللّه عليه و آله، إذ لا قائل بالفرق.
لا يقال: إنّ الفاسق ليس بمرتضى من حيث فسقه، و إذا لم يكن مرتضى من
[١] مسلم: كتاب الايمان: ٣/ ٧٨.