تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٢ - فصل فيما ذكره الصابئون في تفضيل الملائكة على الأنبياء و ما أجاب به عنها الحنفاء و هي وجوه ص
مستخرجة بالآراء المظلمة، و لا مستنبطة بالظنون الكاذبة. إن طابقتها على المعقولات تطابقتا، و إن وافقتها المحسوسات توافقتا.
كيف- و نحن ندّعي إن الدين الأوّل «١» هو الموجود الأوّل، و الكائنات تقدّرت عليه، و إن المناهج التقديرات هي الأقدم، ثم المسالك الخلقيّة و السنن الطبيعية توجّهت إليها، و للّه تعالى سنّتان في خلقه و أمره، و السنّة الأمريّة أقدم و أسبق من السنّة الخلقيّة، و قد اطّلع خواصّ عباده على السنّتين وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [٣٥/ ٤٣]- هذا من جهة الخلق- فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [٣٥/ ٤٣]- هذا من جهة الأمر-.
و الأنبياء عليهم السلام متوسّطون في تقرير سنّة الأمر، و الملائكة عليهم السلام متوسّطون في تقرير سنّة الخلق، و الأمر أشرف من الخلق، فمتوسّط الأمر أشرف من متوسّط الخلق، فالأنبياء أفضل من الملائكة.
و هذا عجيب؛ حيث صارت الروحانيّات الأمريّة متوسّطة في الخلق، و صارت الأشخاص الخلقيّة متوسطين في الأمر، ليعلم أن الشرف و الكمال في التركيب لا في البساطة، و أن اليد للجسماني لا للروحاني، و التوجّه الى التراب أولى من التوجّه إلى السماء، و السجود لآدم من إبليس أفضل له من التسبيح و التقديس.
و ليعلم أنّ الكمال في إثبات الرجال- لا في تعيين اليها كل و الظلال- و أنهم هم الآخرون وجودا و عملا، و السابقون فضلا و علما، و أن آخر العمل أول الفكرة، و أن الفطرة لمن له الخمرة، و أنّ المخلوق بيديه لا يكون كالمكوّن بحرفيه، كما قال تعالى: و عزّتي و جلالي لا أجعل من خلقته بيديّ كمن قلت له «كن» فكان.