تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٩ - فصل في تتمة القول في الصبر و أقسامه
فصل [في تتّمة القول في الصبر و أقسامه]
اعلم إنّ الصبر دواء مرّ، و شربة كريهة، يجلب إليك كلّ منفعة، و يدفع عنك كلّ مضرّة. فإذا كان هذا الدواء بهذه الصفة، فالإنسان العاقل يكره النفس على شربه و تجرّعه، و يصبر على مرارته و حدّته، و هو يقول: «مرارة ساعة، و راحة سنة».
و قيل [١]: «لكلّ شيء جوهر، و جوهر الإنسان العقل، و جوهر العقل الصبر».
و الصبر جار في الصابر مجرى الأنفاس، لأنّه يحتاج إلى الصبر عن كل منهيّ و مكروه و مذموم ظاهرا و باطنا. و لا يتمّ ذلك إلّا بالعلم.
و قيل [٢]: «أشدّ مراتب الصبر و أقسامه كفّ الباطن عن حديث النفس» و إنّما يشتدّ ذلك على من يفرغ له، بأن يقمع الشهوات الظاهرة، و آثر العزلة، و جلس للمراقبة و الذكر و الفكر. فإنّ الوسواس لا يزال يجاذبه من جانب إلى جانب. و هذا لا علاج له إلّا قطع العلائق بالكليّة بالفرار عن الأهل و الأولاد و الرفقاء و الأصدقاء.
و لا يكفي ذلك ايضا ما لم يجعل الهموم همّا واحدا- و هو اللّه- ثمّ إذا غلب ذلك على القلب فلا يكفي ما لم يكن له مجال في الفكر و سير الباطن في ملكوت السموات و الأرض و عجائب صنع اللّه، و سائر أبواب معرفة اللّه، حتّى إذا استولى ذلك على قلبه دفع اشتغاله بذلك حادثة الشيطان و وسواسه.
و إن لم يكن له سير بالباطن فلا ينجيه الأوراد [٣] المتواصلة و الصلوات و الأذكار
[١] راجع عوارف المعارف: الباب الستون، قولهم في الصبر: ٢٣٤.
[٢] إحياء علوم الدين: ٤/ ٧٦. بتصرفات من المؤلف.
[٣] الإحياء: فلا ينجيه إلا الأوراد.