تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٨٣ - فصل في الكشف عن ماهية الصبر محاذيا لما ذكره بعض المحققين
نعم- المعارف هي الأصول، و هي تورث الأحوال. و الأحوال توجب الأعمال ٩٢. فالمعارف كالأشجار بقواها الأصلية، كالغاذية و المنمية. و الأحوال كالأغصان و الألوان. و الأعمال كالنتائج و الأثمار.
و هكذا النظر في جميع مقامات الدين و منازل السالكين، و اسم الايمان تارة يخص بالمعارف، و تارة يطلق على الكلّ لاستلزامها الأحوال و الأعمال.
فكذلك الصبر. فإنّه لا يتم إلّا بمعرفة سابقة، و بحالة قائمه، و بعمل لاحق.
و الصبر على التحقيق عبارة عن الأوليين و العمل كالنتيجة الحاصلة لهما، بل الانتظام من الأمور الثلاثة حاصل في كلّ مقام من المقامات الحيوانيّة أيضا- كالشهوة و الغضب و التكبّر و الرياسة و العجب و غيرها.
فإنّ في الشهوة- مثلا- علم بالمشتهى كالتخيّل و نحوه- هذا بمنزلة المعارف- و فيها رغبة و ميل إليه- و هذا من باب الأحوال- و فيها أيضا حركة كالأكل و الجماع- و هي من جملة الأعمال- و اللائق باسم الشهوة هما الأوّلان، و الحركة من النتائج لهما. ٩٣ و قد مرّت الإشارة إلى مثل هذا في الشكر، من أنّ العلم بالمنعم ٩٤ و إنعامه هو أصل الشكر. و أنّ من علم إنّه يعجز عن الإتيان بشكر نعم اللّه فقد أدّى غاية الشكر للّه فأصل الصبر معرفة ما لأجله الصبر على الشدائد، ثمّ توطين النفس على ذلك، ثمّ حبسها على الآلام و عن الشهوات. قال تعالى مخاطبا لنبيّه: وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [١٦/ ١٢٧].
و
روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام [١]: «أمر اللّه تبارك و تعالى أنبيائه عليهم السلام بالصبر، و جعل الحظّ الأعلى لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حيث جعل صبره باللّه- لا بنفسه- فقال:
وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ.
[١] عوارف المعارف: الباب الستون، قولهم في الصبر. ٢٣٤.