تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٢ - فصل فيما ذكره الصابئون في تفضيل الملائكة على الأنبياء و ما أجاب به عنها الحنفاء و هي وجوه ص
و لواحقهما من النوازع الحيوانيّة و القواطع البشريّة بأسرها؟ لم يحملهم الغضب على حبّ الجاه و الشهرة، و لا حملهم الشهوة على حبّ المال و الثروة، بل طباعهم مجبولة على المحبّة و الموافقة، و جواهرهم مفطورة على الاتّحاد و الالفة.
أجابت: بأنّ هذه المغالطة مثل الاولى حذو النعل بالنعل، فإنّ [ل] طرف البشريّة نفسين: نفس حيوانيّة لها قوّتان: شهويّة و غضبيّة. و اخرى انسانيّة لها قوّتان:
علميّة و عمليّة. و بتينك القوّتين لها أن تجمع و تمنع، و بهاتين القوّتين لها أن تقسّم الأمور و تفصّل الإجمال (الأحوال- اصل) ثم يعرض على العقل فيختار بقوّته التي هي له كالبصر النافذ من العقائد الحقّ دون الباطل، و من الأقوال الصدق دون الكذب، و من الأفعال الخير دون الشر.
و يختار بقوّته العمليّة من لوازم القوّة الغضبيّة الشجاعة و الحميّة دون الذلّة و الهوان، و من لوازم القوّة الشهويّة التودّد و التألّف دون الشره و الخساسة، فيكون من أشدّ الناس حميّة على خصمه و أعداء دينه، و من أرحم الناس تذلّلا و تواضعا لوليّه و صديقه، فإذا بلغ هذا الكمال فقد استخدم القوّتين و استعملهما في جانب الخير.
و ليس الكمال و الشرف في فقدان القوّتين كحكم العنّين و العاجز، و إنّما الكمال في استخدامهما أوّلا في جانب الخير، ثمّ الترقيّ إلى إرشاد الخلائق في تزكية النفوس عن العلائق و إطلاقها عن قيد الشهوة و الغضب، فنفس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كنفوس الروحانيّين فطرة و وصفا ..- و بذلك الوجه وقعت الشركة- و فضلها و تقدّمها باستخدام القوى و النفوس التي دونها، و استعمالها في جانب الخير و النظام- و هو الكمال.