تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢١٤ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٤١
أمرهم بالتصديق بهذا القرآن المنزل، و أخبرهم أن في تصديقهم بالقرآن تصديقا منهم للتورية و الإنجيل لأنّ الذي في القرآن مصداق لهما، و مؤكّد للايمان بهما من حيث انّه مطابق لهما في القصص، و المواعيد، و الدعاء إلى التوحيد، و الأمر بالعبادة، و العدل بين الناس، و النهي عن المعاصي و الفواحش و فيما يخالفها من جزئيّات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار في المصالح، من حيث انّ كلّ واحدة منها حقّ بالإضافة إلى زمانه، مراعى فيها صلاح الأنام، و من خوطب بالكلام من اللّه، حتى لو نزل المتقدّم من الأحكام في أيّام المتأخّر منها لكان على وفقه بأبلغ وجه و لذلك
قال صلّى اللّه عليه و آله [١]: «لو كان موسى حيّا لما وسعه إلّا اتّباعي».
و قيل: معناه إنّه تصديق بالتورية و الإنجيل، لأنّ فيهما الدلالة على أنّه حق، و أنّه من عند اللّه. و فيهما البشارة ببعثة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و بيان نعوته و صفاته، فكان الايمان بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله و بالقرآن تصديقا للتورية و الإنجيل، و تكذيبه صلّى اللّه عليه و آله تكذيبا لهما.
و التفسير الثاني أولى لأن يكون حجّة عليهم، إذ على التفسير الأوّل لقائل أن يقول: التوافق في بعض المعاني لا يوجب أن يكون القرآن من عند اللّه، فلا يلزم عليهم وجوب الايمان به.
و أمّا على الثاني فيلزم عليهم الايمان بحقّية القرآن و تصديق الرسول صلّى اللّه عليه و آله إذا اشتمل الكتابان على كون محمد صلّى اللّه عليه و آله صادقا، فالإيمان بهما يوجب الايمان بما بقوله صلّى اللّه عليه و آله. و معلوم إنّ الآية إنّما نزلت احتجاجا عليهم و دلالة لهم على وجوب الايمان ٧٥ بمحمّد صلّى اللّه عليه و آله. فبالجملة فالدالّ على اثبات نبوّته هاهنا و جهان:
أحدهما شهادة كتب الأنبياء عليهم السلام عليه، و هي لا تكون إلّا حقا.
و الثاني إخباره عمّا في كتبهم و لم يكن له معرفة بما فيها إلّا من قبل الوحي.
[١] راجع البحار: ١٦/ ٣٦٦.