تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٠١ - فصل قوله تعالى أوف بعهدكم
هذا العهد هو النور النبويّ الربّاني- المعبّر عنه بالامانة المعروضة على السموات و الأرض، الذي كلّف الإنسان بتحمّله و كان ذلك النور محتجبا بالحجب الكونيّة في أوائل الخليقة، ثمّ لا يزال يظهر شيئا فشيئا بحسب ارتفاع الحجب الظلمانيّة و النوريّة في كل زمان، و خروج النفوس الإنسانية من حدود القوّة إلى حدود الفعل في كلّ أوان، حتى ظهر بعض ذلك النور في زمن سائر الأنبياء كإبراهيم و موسى و عيسى عليهم السلام، و ظهر تمامه في زمن خاتم الأنبياء عليه و آله السلام.
فايفاء العبد بهذا العهد هو معرفة هذا النور الذي أنزل اللّه على قلب رسوله صلّى اللّه عليه و آله، بل هو بالحقيقة رسول اللّه، كما دلّ عليه قوله: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ [٥/ ١٥].
فالنور هو لوح ضميره الذي هو نور من أنوار اللّه، و سرّ من أسراره. و أمّا الكتاب فهو كلام اللّه النازل عليه، الدالّ على معرفة الحقّ الأوّل و آياته و ملائكته و كتبه العقليّة و النفسيّة، و أحكامه القضائيّة و القدريّة، و كيفيّة تعلق علمه و قدرته بجميع الموجودات، و كيفية عنايته و حكمته في خلق السموات و الأرض و انبساط نور وجوده على صفحات الماهيّات و هياكل المكنات، و معرفة المعاد و كيفية حكمه برجوع الأشياء كلّها يوم القيامة إلى الواحد القهّار، و الايمان بجميع هذه المعارف ايمانا يقينيّا شهوديّا.
فمن آمن بهذه المعارف ايمانا بالغيب مع إصلاح الجزء العملي من القلب فقد سعد و نجى من العذاب، و من عرفها عرفانا شهوديا راسخا فقد فاز فوزا عظيما و كاد أن يكون من المقرّبين مشاهدا لما هو الخير المطلق و الحسن المطلق و الجمال المطلق الحق منخرطا نوره في سلك نوره.
و أما إيفاء اللّه عهد العبد فهو افاضة أنوار الرحمة عليه في كل مرتبة من مراتب عبوديّته، و بحسب كل مقام من مقامات سلوكه إلى اللّه، حتّى إذا قطع المنازل و