تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٧٦ - فصل قوله تعالى اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم
بالذات: فيرجع حاصله مع انشعاب أقسامه إلى الايمان، و حسن الخلق، و ينقسم الايمان إلى علوم المكاشفة، و هي العلم باللّه و ملائكته و كتبه و رسله و أوليائه و عالم (ظ: علم) المعاد و اليوم الآخر. و إلى علوم المعاملة: و هي تحصيل حسن الخلق.
و الأولى عدّ علوم المعاملة من جملة المنافع، لأنّها وسيلة إلى حسن الخلق الذي هو عبارة عن سلامة القلب و طهارة النفس و صفاء الضمير، و شيء منها ليس خيرا بالذات، لأنّها عدميّة، و العدم لا يكون خيرا بالذات، و إنّما هو وسيلة إلى قبول الخير، و هو صورة المطلوب- أي الحضرة الإلهية و أفعاله و آثاره-.
فعلوم المعاملة من المنافع المؤديّة إلى الخير الحقيقي و السعادة الاخروية، إذ لا سبيل إلى سعادة الآخرة إلّا بالعمل و السعي في طريقها و لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى و ليس لأحد في العقبى إلّا ما تزوّد في الدنيا.
و هي تنقسم ٦٢ إلى عفّة- و هي سياسة قوّة الشهوة، حتّى لا تكون مستولية و لا مطموسة- و إلى شجاعة- و هي تعديل قوّة الغضب، حتّى لا يكون الإنسان من جهتها متهوّرا و لا جبانا مقهورا، بل يكون إقدامه و إحجامه بمقتضى العقل المنور بنور الايمان- و إلى حكمة- ٦٣ و هي إصلاح القوّة الإدراكية حتّى لا تكون جربزة مكّارة كالشيطان في استنباط دقائق الحيل في الدنيا، و التفريعات الجزئية من العلوم التي ضرّها أكثر من نفعها. و لا يكون أيضا بليدا غير مروّ في الأشياء النافعة.
و هذه الحكمة غير الحكمة التي أثنى عليها كتاب اللّه بقوله: مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً [٢/ ٢٦٩] فإنّها كلّما كانت أكثر فهي أجلّ و أشرف.
و من تعديل هذه الثلاثة- أعني ملكة العفّة و الشجاعة و الحكمة- تحصّل للنفس ملكة اخرى تسمّى بالعدالة، و هي ميزان إنزال اللّه تعالى على لسان رسوله، إذ قال: أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ* وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ [٥٥/ ٩] فمن أخصى نفسه لترك شهوة الجماع و ترك النكاح مع الاستطاعة و الأمن