تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢٣ - فصل في بيان عصمة الأنبياء عليهم السلام و ما ذكر فيها على طريقة المتكلم
: «إنّه لم يكن أحد عند مشركي مكّة أعظم ذنبا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله، لأنّهم كانوا يعبدون من دون اللّه ثلاثمائة و ستّين صنما، فلمّا جاءهم صلّى اللّه عليه و آله بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم و عظم، و قالوا: أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ* وَ انْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ* ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ [٣٨/ ٥- ٧] فلمّا فتح اللّه على نبيّه صلّى اللّه عليه و آله مكّة قال: يا محمد إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد اللّه فيما تقدّم و ما تأخّر».
فقال المأمون- لمّا سمع هذا الجواب بعد الأجوبة عن سائر السؤالات الموردة على عصمة الأنبياء عليهم السلام: «لقد شفيت صدري يا بن رسول اللّه و أوضحت لي ما كان ملتبسا، فجزاك اللّه عن أنبيائه و عن دين الإسلام خيرا.
و أمّا قوله: وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى فمعناه فقدان الشرائع و الأحكام. و قيل:
إنّه ضلّ في صباه في بعض شعاب مكّة، فردّه أبو جهل إلى عبد المطلب. و قيل: ضلّ في طريق الشام حين خرج به أبو طالب- و بالجملة- لا دلالة على العصيان و الميل عن طريق الحقّ. و لذا قال تعالى: ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى [٥٣/ ٢].
و أمّا قوله: وَ وَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ [٩٤/ ٢] فهو تمثيل لما كان يثقل عليه من حمل أعباء النبوّة في أوائل البعثة، أو من تهالكه على إسلام أهل العناد و تلهّفه.
و أمّا قوله: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ [٩/ ٤٣] تلطّف في الخطاب و عتاب على ترك الأفضل و إرشاد إلى تدبير الحرب و الاحتياط.
و أمّا قوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى إلى قوله: لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ [٨/ ٦٧- ٦٨] عتاب على ترك الأفضل، و هو أن لا يرضى باختيار أصحابه الفداء.