تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٢٢ - فصل في بيان عصمة الأنبياء عليهم السلام و ما ذكر فيها على طريقة المتكلم
و ثالثها ما يشعر به قوله تعالى: وَ هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [٣٨/ ٣٥] من الحسد، و عدم إرادة الخير للغير.
و الجواب: إنّ ذلك لم يكن حسدا، بل طلبا للمعجزة على وفق ما غلب في زمانه و لاق بحاله، فإنّهم كانوا يفتخرون بالملك و الجاه، و هو كان ماشيا في بيت الملك و النبوّة و وارثا لهما، أو إظهارا لإمكان طاعة اللّه و عبادته مع هذا الملك العظيم.
و قيل: أراد ملكا لا يورث منه، و هو ملك الدين- لا الدنيا- أو ملكا لا أسلبه و لا يقوم فيه غيري مقامي، كما وقع ذلك مرّة. و قيل: ملكا خفيّا لا ينبغي للناس و هي القناعة. و قيل: كان ملكا عظيما، فخاف أن لا يقوم غيره بشكره و لا يحافظ فيه على حدود اللّه.
و أمّا الشبهة في قصة يونس عليه السّلام هما يشعر به قوله تعالى: وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [٢١/ ٨٧] رزقه فلا يوجب شكّا في قدرته لأنّ المراد: ذهب مغاضبا لقومه، فظنّ- أي: استيقن- أن لن نقدر عليه- أن لن نضيق رزقه. و منه قوله تعالى فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [٨٩/ ١٦] أي: ضيق و قتر.
و معنى الظلم في قوله: إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ترك الأفضل. و هو مثل هذه العبارة التي فرغ لها في بطن الحوت. هذا هو المرويّ عن الرضا عليّ بن موسى عليهما السلام في الجواب عن سؤال مأمون في هذا الموضع [١].
و أما في حقّ نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و آله فمثل: اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [٤٠/ ٥٥] و لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِ [٩/ ١١٧] و لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ [٤٨/ ٢] فمحمول على ترك الأفضل.
قال الرضا عليه السّلام [٢] في جواب مأمون عن قوله لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ
(١، ٢) عيون أخبار الرضا (ع): الباب ١٥: ١/ ٢٠١.