الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٢٨٤ - ما رثاه به الشعراء
صدورهم مرضى عليه عميدة
لها أزمة [١] من ذكره و زفازف
ترى كلّ محزون تفيض جفونه
دموعا على الخدّين و الوجه شاسف [٢]
جزيت جزاء المحسنين مضاعفا
كما كان جدواك النّدى المتضاعف
فكم لك فينا من خلائق جزلة
سبقت بها منها حديث و سالف
هي الشّهد أو أحلى إلينا حلاوة
من الشهد لم يمزج به الماء غارف
ذهبت و خلّيت الصديق بعولة
به أسف من حزنه مترادف
/ إذا خطرات الذكر عاودن قلبه
تتابع منهنّ الشئون النوازف
حبيب إلى الإخوان يرزون [٣] ماله
و آت لما يأتي امرؤ الصدق عارف
هو المنّ و السّلوى لمن يستفيده
و سمّ على من يشرب السمّ زاعف
بكت داره من بعده و تنكّرت
معالم من آفاقها [٤] و معارف
فما الدار بالدار التي كنت أعتري
و إنّي بها لو لا افتقاديك عارف
هي الدار إلّا أنّها قد تخشّعت
و أظلم منها جانب فهو كاسف
و بان الجمال و الفعال كلاهما
من الدار و استنّت [٥] عليها العواصف
/ خلت داره من بعده فكأنما
بعاقبة لم يغن في الدار طارف
و قد كان فيها للصديق معرّس [٦]
و ملتمس إن طاف بالدار طائف
كرامة إخوان الصفاء و زلفة
لمن جاء تزجيه إليه الرّواجف
صحابته الغرّ الكرام و لم يكن
ليصحبه السّود اللئام المقارف [٧]
يؤول إليه كلّ أبلج شامخ
ملوك و أبناء الملوك الغطارف
فلقّيت في يمنى يديك صحيفة
إذا نشرت يوم الحساب الصحائف
يسرّ الذي فيها إذا ما بدا له
و يفترّ منها ضاحكا و هو واقف
بما كان ميمونا على كلّ صاحب
يعين على ما نابه و يكانف
[١] أزمة: ضيق و شدة. و زفازف (واحدها زفزفة) و هي في الأصل حنين الريح و صوتها في الشجر. يريد أنه يكون بصدورهم عند ذكره نشيج و زفير من الحزن عليه.
[٢] الشاسف: اليابس ضمرا و هزالا.
[٣] يرزون: أصله يرزءون، سهلت همزته ثم حذفت لإسناد الفعل إلى ضمير الجمع.
[٤] في الأصول: «آفاتها»، و لا يستقيم بها الكلام. و قد آثرنا ما أثبتناه لاستقامة الكلام به مع قرب رسمه من رسم ما في الأصول.
[٥] استنت: انصبت.
[٦] المعرّس: موضع التعريس و هو نزول القوم آخر الليل للاستراحة من السفر؛ و قيل: التعريس النزول في المعهد أيّ حين كان من ليل أو نهار.
[٧] المقارف: الأنذال، و هم أيضا الذين أمهم عربية و أبوهم غير عربي.