الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٧٤ - مالك و معبد و ابن عائشة عند يزيد بن عبد الملك
دخلت المدينة حاجّا فدخلت الحمّام، فبينا أنا فيه إذ دخل صاحب الحمام فغسله و نظّفه، ثم دخل شيخ أعمى له هيئة، مؤتزر بمنديل أبيض؛ فلما جلس خرجت إلى صاحب الحمّام فقلت له: من هذا الشيخ؟ قال: هذا مالك بن أبي السمح المغنّي، فدخلت عليه فقلت له: يا عمّاه، من أحسن الناس غناء؟ فقال: يا ابن أخي، «على الخبير سقطت» [١]، أحسن الناس غناء أحسنهم صوتا.
/ أخبرني عمّي قال حدّثني أبو أيوب المدينيّ قال حدّثني أبو يحيى العباديّ عن إسحاق قال:
كان فتية من قريش جلوسا في مجلس، فمرّ بهم مالك بن أبي السّمح، فقال بعضهم لبعض: لو سألنا مالكا فغنّانا صوتا! فقام إليه بعضهم فسأله النزول عندهم، فعدل إليهم؛ فسألوه أن يغنّيهم؛ فقال: نعم و اللّه بالحبّ و الكرامة، ثم اندفع يغني، و أوقع بالمقرعة على قربوس [٢] سرجه، فرفع صوته فلم يقدر، ثم خفضه فلم يقدر، فجعل يبكي و يقول: وا شباباه.
أخبرني عمّي قال حدّثني هارون بن محمد عن الزّبير بن بكّار عن عمه عن جدّه أنه كان في هؤلاء الفتية الذين كانوا سألوه الغناء؛ و ذكر باقي الخبر مثل ما ذكره إسحاق.
مالك بن أبي السمح و عجاجة المخنث:
أخبرني عمّي قال حدّثني أبو أيوب المدينيّ قال حدّثني عبد الرحمن ابن أخي الأصمعيّ عن عمّه قال حدّثني صالح بن أبي الصّقر قال:
قدم مالك بن أبي السّمح المغنّي البصرة، فلقيه عجاجة المخنّث، و كان أشهر من بها من المخنّثين، و قال له:
فديتك يا أبا الوليد، إني كنت أحبّ أن ألقاك و أن أعرض عليك صوتا من غنائك أخذته عن بعض المخنّثين، فإن رأيت أن تنزل عندي فعلت؛ فنزل مالك عنده فبسط له المخنّث جرد [٣] قطيفة كانت عنده فجلس، ثم أخذ عجاجة الدفّ فغنّى:
/
حبّ إنّ الخمار كان عليها
شاهدا يوم زارت الجوشنيّة [٤]
قد سبته بدلّها حين جاءت
تتهادى في مشية بختريّه
فجعل مالك يقول له: ويلك! من قال هذا! لعنه اللّه! ويحك من غنّى هذا! قبّحه اللّه! ويحك من روى عنّي هذا! أخزاه اللّه! ثم قام فركب و هو يضحك عجبا من عجاجة.
مالك و معبد و ابن عائشة عند يزيد بن عبد الملك:
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرني حمّاد بن إسحاق عن أبيه عن ابن جناح قال حدّثني مصعب بن عثمان قال حدّثني عبد اللّه بن محمد بن يحيى بن عروة بن الزّبير قال حدّثني مالك بن أبي السّمح قال:
[١] هذا مثل يضرب حين يقع السائل على العليم بالأمر الذي يسأل عنه.
[٢] القربوس (بفتح القاف و الراء): حنو السرج أي جانبه و هو الخشبة التي بها اعوجاج. و لكل سرج أربعة قرابيس: اثنان مقدّمان و اثنان مؤخران.
[٣] الجرد (بالفتح): الخلق من الثياب، و في حديث أبي بكر رضي اللّه عنه «ليس عندنا من مال المسلمين إلا جرد هذه القطيفة» أي الذي انجرد و خلق.
[٤] الجوشنية: لعلها نسبة إلى جوشن الذي هو بطن من غطفان.